د. محمد بن إبراهيم الملحم
صدر الأسبوع الماضي تقرير دراسة تاليس TALIS الدولية التي تجريها منظمة OECD كل خمس سنوات لعدد كبير من الدول حول العالم التي تنضم إلى هذه الدراسة، وهي تتضمن مسحاً معلوماتياً حول التعليم في البلد وتقدم بروفايل عنه من وجهة نظر كل من المعلمين والمديرين. وبالنسبة للسعودية فقد شاركت في الدورة السابقة أي عام 2018 وشاركت في الدورة الحالية 2025 والتي أعلنت الأسبوع الماضي كما أسلفت، ومن المهم جداً التعرف على ما تقوله هذه الدراسات الموسعة عنا وعن تعليمنا، وسوف أستعرض لكم هنا أهم ما لفت انتباهي في نتائج هذه الدراسة لنستفيد ونفهم تعليمنا أكثر.
أولاً: دعوني أعطي نبذة عن دراسة تاليس TALIS فهي اختصار لـTeaching and Learning International Survey، أو المسح الدولي للتدريس والتعلم وهو أكبر مسح دولي لمعلّمين وقادة مدارس يستهدف التعرف على ظروف العمل وبيئات التعلّم، وتشرف عليها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) وقد نُفِّذت دورات رئيسية في 2008، 2013، 2018، ثم أخيراً في 2024 (وهو الذي صدرت تقاريره الأسبوع الماضي). وعدد الدول المشتركة فيها يقترب من خمسين دولة. حيث يتم فيها طرح أسئلة على المعلّمين ومديري المدارس عن: التطوير المهني، وممارسات التدريس، والقيادة المدرسية، والمناخ المدرسي، والتغذية الراجعة، وعبء العمل، والرضا المهني… إلخ، وتهدف لتزويد صانعي السياسات في هذه الدول بمؤشرات مقارنة دولياً قابلة للاستخدام لأجل تحسين مهنة التدريس، والعينة المستهدفة لكل مستوى تعليمي هي 200 مدرسة على الأقل، و20 معلّماً من كل مدرسة، وجدير بالذكر أنه في دورة 2024 أضافت TALIS موضوعات معاصرة (مثل استخدام الذكاء الاصطناعي في التدريس) إلى جانب المحاور التقليدية. وحيث إن هذه الدراسة مرتبطة بدراسة واختبار بيزا PISA الذي يقيس أداء طلاب عمر 15 سنة في القراءة والرياضيات والعلوم، فإن دراسة تاليس TALIS التي تقيس آراء وممارسات المعلّمين ومديري المدارس تطبق في مدارس نفس الفئة العمرية (أي المرحلة المتوسطة).
بالنسبة لتقرير السعودية هذه السنة والصادر الأسبوع الماضي فقد أشار إلى تغير مهم في الدراسة الحالية مقارنة بالسابقة في 2018 وذلك فيما يتعلق بأعداد المعلمات الإناث، فهناك كانت نسبتهن أكثر من الذكور فهي 52 % مقابل 48 % معلمين ذكور، بينما في الدراسة الحالية انخفضت نسبة المعلمات إلى 49 % كما زادت نسبة الذكور إلى 51 %، وهذه النتيجة تخالف ما يمكن أن نتوقعه حول تأثير قرار مهم صدر بعد دورة دراسة 2018 وهو إسناد تدريس الصفوف الأولية (أولى وثاني وثالث ابتدائي) للطلاب الذكور إلى معلمات في مدارس البنات وذلك مع بدء استقبال طلاب الصفوف الأولية فعلياً في 1 سبتمبر 2019 ، ومع أن ذلك كان محدوداً في عدد من المدارس في البداية إلا أن الوزارة أعلنت لاحقاً وفي مارس 2021 عن رفع نسبة إسناد تدريس البنين في الصفوف الأولية للمعلمات إلى 50 % للعام التالي، ما يعكس استمرار التوسّع في التطبيق. وبالتالي فإن المتوقع هو أن يترتب على هذا القرار وبهذا التصميم والعزم للمضي فيه قدماً والتوسع سنة بعد سنة، أن يزيد عدد المعلمات مقارنة بالمعلمين بينما الذي حدث هو العكس!.
الملمح الثاني هو أنه في دورة 2025 الأخيرة فإن 30 % من المعلمين كانت لديهم خبرة عمل خارج قطاع التعليم قبل أن يلتحقوا بالتدريس (وهو دولياً منخفض مقابل متوسط دولي 57 % لدول OECD) بينما في دورة 2018 ذكر التقرير أن هذه الفئة من المعلمين نادرة ولم يورد أرقاماً أو نسباً مما يدل على أنها نسبة أقل بكثير من 30 % بدون شك، ومع أن تقرير OECD لم يفسر هذا التغير إلا أن تفسيرنا المباشر لهذه الملاحظة هو أن معلمي (ومعلمات) الدورة الحالية هم من الجيل الذي تأخر تعيينه بعد التخرج سنوات عدة، فاستثمر الانتظار حتى تأتيه وظيفة التدريس الحكومية بأن يلتحق بوظائف أخرى تكون غالباً في القطاع الخاص وفي مهن غير التدريس (مثل خدمة العملاء مثلاً والأعمال الكتابية) أما جيل دورة 2018 فكان أوفر حظاً بأن فترة الانتظار حتى يحصل على وظيفة التدريس لم تكن كبيرة ولذلك جاء التعبير في نتائج تلك الدراسة (نادراً).
من الجوانب الجديدة التي طرقتها الدراسة الحالية هو مجال الذكاء الاصطناعي فعند سؤال المعلمين عن جاهزية التقنيات/ الذكاء الاصطناعي أجاب 64 % بأنهم يرون نقص البنية التحتية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في مدارسهم (وهو أعلى من متوسط OECD الذي هو 37 %) وهذا يعني أنه لم تُترجم التطلعات نحو «التنشّيط المعرفي المدعوم بالتقنية» إلى ممارسات متّسقة على أرض الواقع وهذا يدعو إلى تهيئة رقمية متدرجة يتم فيها سد فجوات بنية الذكاء الاصطناعي ـAI سواء من خلال الأجهزة أو الشبكات أو المنصّات مع تدريب متقن لحسن الاستخدام وجودة التفعيل.
في نفس الوقت فإن هناك سؤالاً آخر تم فيه سؤال المعلمين عن استخدامهم للذكاء الاصطناعي في عملهم (بأي طريقة كانت سواء للتحضير أو للاختبارات أو أثناء التدريس) فكانت إجاباتهم أن 43 % منهم يفعل ذلك وهي نسبة أعلى من متوسط دول OECD ولكنها لا تعتبر من الأعلى حيث كانت أعلى نسبة هي 75 %، وهذا يعني أن لدى التعليم السعودي فرصة النسبة 43 % مستقبلاً والتفوق عالمياً، ويكون ذلك من خلال عدة محاور أولها التوعية والتدريب، وهو ما سيكون في مجالات أعمال المعلم خارج غرفة الصف مثل إعداد الدروس وتبسيط المحتوى وتصميم الاختبارات وتصحيحها وتحليلها، مع توفير اشتراك مجاني للمعلمين في المنصات التي تقدم هذه الخدمات، وثانيها تمكين المعلمين تدريسياً من خلال توفير منصات تدريس فردي واحد لواحد محتواها هو مناهجنا وتحديداً المواد الأساسية التي يعاني منها أغلب الطلاب عادة مثل الرياضيات والعلوم وقواعد اللغة العربية واللغة الإنجليزية، وتقوم هذه المنصة على الذكاء الاصطناعي أي أنها تتضمن «تكييف التدريس» بحسب مستوى الطالب فيستخدمها المعلم لتدريس الطالب المتأخر، إذ يطلب منه أن يحضر هذا النوع من الدروس بالمنزل ليتمكن من اللحاق بزملائه، وتقدم المنصة للمعلم تقريراً عن تفاعل الطالب ومدى جديته في الدراسة بالمنزل، وهو ما سيحث الطالب على التفاعل الحقيقي بسبب متابعة المعلم رسمياً له، كل ذلك ليحصل له التمكن المنشود فيصبح مع زملائه في نفس المستوى المعرفي، وهذا سيرتفع بمستويات التحصيل وسيحسن من علاقة الطالب المتأخر بالمدرسة، وأتصور أن تكون هذه الوظيفة ضمن منصة مدرستي الخاصة بالوزارة.