د. محمد بن عبدالعزيز العميريني
ليس اللسان مجرّد بنية تواصلية أو نسق من العلامات يحكمه النظام النحوي والدلالي، بل هو في عمقه الأنطولوجي بنية وعي قبل أن يكون بنية لغة، ومن -هنا- تنبع إشكالية: كيف يمكن للغة العربية بما تحمله من تاريخ تأويلي وفكر نحوي فلسفي، أن تسهم في بناء حوار بيني خلاق بين اللسانيات والعلوم المعرفية؟
فاللسانيات الحديثة في نزعتها البنيوية وما بعدها، انشغلت بمفهوم (النظام) أكثر من انشغالها بمفهوم (الوعي)، بينما جاءت العلوم المعرفية لتعيد الإنسان إلى مركز التحليل، لا بوصفه متكلِّمًا فحسب، بل كائناً واعياً يُنْتِج المعنى ويُعاد تشكيله عبر اللغة.
وفي هذا الأفق الجدلي تبرز العربية بوصفها أفقاً حضارياً ومعرفياً مغايراً، إذ لم تُعامل اللغة يوماً بوصفها أداة، بل أشبه بكائن وجوديٍّ يتشكّل من الفكر ويشكِّله، ويُقيم جدلاً مستمراً بين الدالّ والمدلول، بين الظاهر والباطن، بين اللفظ والمعنى، حتى كأنها تؤسس لميتافيزيقا اللغة ذاتها، لذا عدّ العارفون اللغة مجالا واسعا لإعمال المنهج البيني والتفاعل المعرفي، وهذه المسلمة ليست وليدة الحضارة الحديثة، بل هي ناموس من نواميس المعرفة منذ القدم على اختلاف أضربها.
ومن ثمّ، فإن استعادة العربية في سياق البحث البيني المعاصر ليست عودة إلى التراث فحسب، بل انخراط في إعادة تعريف الوعي الإنساني من خلال اللغة، واللغة من خلال الوعي، في حركة فكرية تتجاوز الحدود الانضباطية الصارمة للحقول المعرفية نحو أفقٍ إنساني كونيٍّ تشترك فيه اللسانيات والفلسفة والعلوم المعرفية في بناء رؤية جديدة للإنسان الناطق.
وقد غدت (بينية التخصصات) حتمية معرفية لا يمكن تجاوزها، إذ تولدت فروع معرفية من حادثة انصهار عدة علوم ومقاربات مختلفة وإن كانت البينية في العصور القديمة واقعة ثقافية يدركها كل من يقرأ في سير الأدباء والعلماء كـ «ابن سينا» (ت427هـ) الذي جمع بين الطب والفلسفة والأدب والموسيقى، فشاعت المعرفة الموسوعية، بما هي رؤية مختلفة تبتعد عن يوتوبيا التخصص الدقيق وعزلة الجزر المعرفية المتناثرة، التي أفرزها الدرس البنيوي، حين أغلق النصوص/نسقيا في بنيات محايثة، وقد تمخض هذا الاتجاه المعرفي الجديد في النصف الثاني من القرن العشرين نتيجة للانفجار المعلوماتي، وتغير المعطيات العلمية والحضارية لكل ثقافة وأمة، مما فرض على الدرس العلمي المعاصر التوجه نحو الحقل العابر للتخصصات، لقدرته على حل الإشكالات العالقة التي لم تسعفها جهود أهل الاختصاص الواحد، بل تقتضي التشارك بين عدد من العلوم؛ بهدف توسيع وجهات النظر والوصول إلى أكبر قدر من المخرجات العالية الجودة، كحصيلة تفاعل بين هذه الحقول.
ومما لا شك فيه أن ربط اللغة بالفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا والموسيقى ومختلف الفنون التي تأخذ من طبيعتها وتتصل بها، بالإضافة إلى ربط المناهج النقدية بالتخصصات المتقاربة والمتجاورة، كالبلاغة الجديدة والأسلوبية والتداولية، وتحليل الخطاب الذي نشأ من تزاوج اللسانيات والنصوص الأدبية، أوجد تلاؤماً تخصصياً بينَيّاً يحدث لأول مرة بطريقة منظمة ومستمرة بين العلوم المعرفية الإدراكية، وعلم النفس المعرفي، وعلم الأعصاب في سبيل سبر أغوار الفهم والإدراك اللغوي عند الإنسان، وذلك بالاستفادة القصوى من المجالات العلمية والتكنولوجيا والطب العصبي والنفسي، للتمكن من فهم حقيقة التواصل اللساني، والوقوف على مصدر فهم الإنسان للأشياء، وحل لغز الذاكرة.. وغيرها من الاستعمالات اللغوية.
ويرى الباحثون أن (البينية) مرحلة موالية لمرحلة (الموسوعية) كونها ظاهرة معرفية لازمت الحركة العلمية النشطة، فميزة الفكر الموسوعي عرفت منذ فجر العلوم، إذ برز علماء أفذاذ في مختلف الحضارات الإنسانية أحسنوا نظم معارفهم في عقد ضم صنوف المعارف، وإذا يممنا بصرنا شطر حضارتنا العربية الإسلامية وجدنا أنها قد أظلت ثلة من العلماء الموسوعيين ممن نهلوا من معين معرفي متعدد المشارب، مما هيأ لهم ثقافة موسوعية متعددة العلوم وعابرة للتخصصات كالجاحظ وابن سينا والرازي وابن رشد.... ممن خلفوا رسائل علمية جمعت مع موسوعية الطرح، وأحادية التخصص تمكنا وعمقا.
إن الفكر الموسوعي في حضارتنا العربية الإسلامية إنما كان ثمرة حقبة تبنت فكرة الالتفاف حول (النص القرآني) أولا بوصفه كتابا مؤسسا للاشتغال البحثي ولنمط مركب من التفكير يدفع نحو التعليل والبحث عن الأسباب والظواهر المباشرة وراء المسائل محل البحث، فتكونت كوكبة من العلوم التي تفاعلت وتكاملت؛ لإضاءة النص والاستضاءة به، فكان هذا الكتاب الكريم مسؤولا بدرجة أولى عن تأسيس هذا الفكر الموسوعي ومن خلفه عدد كبير من العلماء.
كما احتكم الاتجاه الموسوعي عموما إلى سياق مرحلة كانت لها خصوصيتها المعرفية، إذ يمكن القول إن «جوهر التقدم العلمي لم يكن مؤسسا على التعارض بين العلوم المختلفة الميادين، بل كان يسير على أساس تضافر مفردات أي علم وتوظيفه لما لدى العلوم. وقد استمرت هذه النزعة لفترة غير قصيرة مع الحضارة الغربية، إلى أن بدت بوادر متغيرات حضارية ومعرفية ظهرت تحت وطأة سياقات خارجية وداخلية فرضتها الحركة التوسعية للمعرفة باتجاه عمودي مع تزامن ظهور تخصصات تناسلت من الحقول المعرفية الكبرى، ما أنتج تراكما معرفيا أوجب من أهل العلم العمل على تقنين وتقعيد الذمم الأخرى».
وهذه الحركة التخصصية الجديدة لا ينكر أحد فوائدها الجمة وثمارها الكبرى في اكتشاف ما لم يكتشف بعد، سعيا لتطوير اللغة وإكسابها مزيدا من المرونة والتقنين، فإذا كان التفاعل سمة النزعة الموسوعية، فإن الانغلاق والاستقلال على مستوى اللغة والاصطلاح والمناهج سمة النزعة التخصصية، وهذه الوجهة بلا ريب ستولد «انعزال أهل كل تخصص عن غيرهم، مشتغلين بالمشكلات والقضايا الخاصة دون الاهتمام لعلاقة شواغلهم بما يجري في مجالات بحثية أخرى، ولا بدلالات نتائجهم وتأثيرها في تلك المجالات القريبة أو البعيدة في حياة الإنسان ومحيطه مما سيحدث فجوات فاصلة بين العلوم والمعارف»، ومن الواضح أن هذا التشتّت بين التخصّصات وما خلّفه من انفصالٍ في الرؤى والمنهج، لم يكن سوى انعكاسٍ لأزمةٍ أعمق في الوعي المعرفي المعاصر، أزمة العلاقة بين الكلّ وأجزائه، بين المعنى وتفصيلاته، بين اللغة بوصفها نظاماً جامعاً والعلوم التي انشطرت عنها طلباً للاستقلال، غير أنّ التاريخ المعرفي يُثبت أنّ الانفصال لا يُثمر إلا حين يفضي إلى عودةٍ أرقى نحو الوحدة، فكلُّ تفرّعٍ حقيقي لا بدّ أن يُعيد النظر في جذوره ويرجع إليها بوصفها أصولاً دائمة وثابتة، وكلُّ تخصّصٍ ناضجٍ لا يُقيم بنيانه إلا على وعيٍ بوحدة المعرفة ومبدئها اللغوي الأول. ومن -هنا- فإن البحث العلمي الرصين ينبغي أن يدعو لخطابٍ علميٍّ جديدٍ لا يُقصي التخصّص، بل يُعيد توجيهه نحو التكامل، ولا يذيب الخصوصية، بل يفتحها على أفق إنسانيٍّ مشتركٍ، يحقّق التوازن بين التجزئة والتوليف، بين التحليل والتركيب، بين العقل واللغة… فهناك فقط يستعيد الفكر العربي أثره في بناء معرفة لغوية لسانية قادرةٍ على أن تؤسس لوعي علمي وبيني دائم.