إعداد - عبدالله عبدالرحمن الخفاجي:
يُعدّ الفن الفوتوغرافي من أبرز الفنون البصرية التي تجمع بين الحس الجمالي والدور التوثيقي، فهو لغة الضوء التي تحفظ اللحظة وتخلّدها، وتمنح المتلقي نافذةً للتأمل في تفاصيل الحياة والإنسان والطبيعة. ومن خلال عدسة الفنان، تتحوّل الصورة إلى سردٍ بصريٍّ يعبّر عن الفكر والمشاعر ويعكس رؤيةً فنيةً تتجاوز الزمان والمكان، لتؤكد أن الصورة ليست مجرد لقطةٍ عابرة، بل رسالة إنسانية وفلسفية تعبّر عن جوهر الوجود.
وفي أمسيةٍ استثنائية جمعت بين الفن والوفاء، احتفت جمعية الثقافة والفنون بجدة بصاحبة السمو الملكي الأميرة ريم الفيصل، في ليلةٍ كرّست للجمال والإبداع والعطاء، حيث شهدت افتتاح معرضها الفوتوغرافي المميّز الذي حمل اللونين الأبيض والأسود، وجسّد من خلال أعماله عمق رؤيتها الفنية والإنسانية.
لأول مرة تتزين جميع زوايا الجمعية بالأبيض والأسود، حيث تحوّل المقرّ إلى رحلةٍ بصريةٍ تأملية تأخذ الزائر منذ لحظة دخوله مرورًا برواقها الفني وحتى صالة عبدالحليم رضوي للفنون الجميلة، في تجربةٍ استثنائية يرى فيها المتلقي صورًا من مختلف دول العالم، تتحدث جميعها بلغةٍ واحدة هي الإنسانية التي تجمع البشر رغم اختلاف الثقافات والهويات.
شهد حفل الافتتاح حضور نخبة من الشخصيات الثقافية والإعلامية والفنية، تقدّمهم مدير جمعية الثقافة والفنون بجدة الأستاذ محمد آل صبيح، ومعالي الدكتور عبدالعزيز خوجة وزير الإعلام والثقافة السابق، وسعادة مدير عام فرع وزارة الإعلام بمنطقة مكة المكرمة الأستاذ عبدالخالق الزهراني، ومدير عام إذاعة جدة الأستاذ علي القاسم، وقنصل عام فرنسا بجدة السيد محمد ناهض، إضافة إلى كوكبةٍ من الفنانين والمثقفين من بينهم الفنان ضياء عزيز، وعميد الفوتوغرافيين خالد خضر، والدكتور صالح الشادي، والفنان فؤاد مغربل، والإعلامي سلامة الزيد، والفنان أسامة عبدالرحيم، والفوتوغرافية سوزان إسكندر.
تجوّل الحضور في أروقة المعرض واستمعوا إلى شرحٍ من سمو الأميرة ريم الفيصل عن معاني الأعمال وما تحمله من رسائل بصرية وإنسانية تعبّر عن تجربتها العميقة في قراءة الضوء والظل وتوثيق اللحظة. ثم انتقل الجميع إلى مسرح الجمعية لانطلاق أمسية «السيرة والمسيرة»، التي خُصصت لتكريم سموها وتسليط الضوء على مسيرتها الفنية.
استُهلت الأمسية بكلمة للأستاذ محمد آل صبيح، الذي عبّر عن فخر الجمعية واعتزازها بتكريم رموز الإبداع في المملكة، مشيرًا إلى أن تجربة الأميرة ريم الفيصل تمثل رؤية فنية فريدة تمزج بين جماليات الأبيض والأسود والرسائل الإنسانية السامية التي تجسّد قيم المجتمع السعودي النبيلة.
عقب ذلك، عُرض فيلمٌ وثائقي قصير تناول أبرز محطات مسيرتها الفنية، ثم ألقى معالي الدكتور عبدالعزيز خوجة كلمةً عبّر فيها عن إعجابه بتجربة الأميرة، واصفًا إياها بأنها «تجسيدٌ راقٍ للضوء في خدمة الجمال والفكر»، مشيرًا إلى أن فنها أسهم في مدّ جسور التواصل الإنساني بين الثقافات.
تلا ذلك حوارٌ أدارته الكاتبة الأستاذة نبيلة محجوب، تناول أبرز مراحل مسيرة الأميرة ورؤيتها الجمالية التي ترى في الضوء لغةً تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية. كما شارك عددٌ من الحضور بمداخلاتٍ عبّروا فيها عن تقديرهم لتجربتها ودورها الريادي في إثراء المشهد الفوتوغرافي السعودي.
من جانبها، عبّرت الأميرة ريم الفيصل عن شكرها وامتنانها للجمعية على تكريمها وتنظيم المعرض، مثمنةً جهود الأستاذ محمد آل صبيح وفريق العمل على ما وصفته بـ»الإخراج الراقي والتنظيم المتميز»، مؤكدة أن الفن بالنسبة لها رسالة إنسانية تتجاوز الأطر التقنية لتصل إلى عمق الإنسان وتعبر عن جوهر الحياة.
وفي ختام الأمسية، قدّم مدير الجمعية درع التكريم لسمو الأميرة تقديرًا لعطائها وإسهاماتها في دعم الحركة الثقافية والفنية في المملكة.
تأتي هذه المبادرة ضمن برنامج «السيرة والمسيرة» الذي أطلقته جمعية الثقافة والفنون بجدة عام 2018م، بهدف تكريم رموز الإبداع في المملكة. وقد شملت قائمة المكرمين في دوراته السابقة نخبة من الأسماء البارزة، منهم الأميرة لولوة الفيصل، والفنان عبادي الجوهر، والملحن سراج عمر، والفنان غازي علي، والفنان هشام بنجابي، والفنان أحمد فلمبان، والفنان نبيل نجدي، والدكتور نايف الجهني.
وهكذا، جسّد هذا التكريم ليلة وفاءٍ وإبداعٍ كرّمت فيها الجمعية فنانةً آمنت أن الصورة ضوءٌ ينبض بالحياة، وأن الفنان الفوتوغرافي يحمل رسالةً بصرية تلامس الوجدان الإنساني، وتوثّق لحظاتٍ عابرة لتبقى خالدة في الذاكرة الجمالية للإنسانية جمعاء.
** **
تويتر: AL_KHAFAJII