هويدا المرشود
لطالما كانت المرأة محور الخطاب التاريخي، لكنها نادرًا ما وُصفت كفاعلة فيه. صيغت صورها، نُقلت عنها الحكايات، وكتب عنها الآخرون غالبًا بما يقيد حضورها ويختزل تأثيرها.
بين النص التاريخي والنص الممكن للمرأة ثغرة زمنية وفكرية، واليوم تمتلئ هذه الفجوة بخطوات واعية تعيد ترتيب العلاقات بين الفرد والمجتمع، بين الفكر والعمل، وبين الخطاب والواقع.
هذا التحول ليس مجرد حركة اجتماعية أو رد فعل عاطفي، بل إعادة قراءة معمقة للتاريخ والنصوص الاجتماعية والدينية وفق أسس التكافؤ والعدالة.
القرآن الكريم رسم للمرأة مكانتها منذ البداية، مؤكدًا أن التكريم والكرامة حق لكل إنسان دون استثناء.
قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء: 70]، وبيّن أن العمل والنية هما المعيار أن لا الجنس أو الصورة الاجتماعية: يقول الله تعالى: {أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى} [آل عمران: 195].
هذا التأصيل القرآني يوضح أن المرأة كيان مستقل يمتلك القدرة على الفعل والمعرفة والتأثير، وأن حقوقها ليست منحة اجتماعية أو ثقافية، بل حق أصيل أقرّه الله.
التاريخ الاجتماعي رسم للمرأة حدودًا وضعتها الأعراف والتقاليد، وحوّلها من فاعلة إلى موضوع للتمثيل.
اليوم، تستعيد حضورها عبر ممارسة الحق الذي أقرّه القرآن، فتعمل، تكتب، تناقش، وتتحمل نتائج اختياراتها، بعيدًا عن أي وسيط أو تفويض.
يقول الله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 228].
مؤكدًا تكافؤ المسؤوليات، وما يجعل الفعل الإنساني معيارًا للقياس لا الجنس أو الوضع الاجتماعي.
إعادة ترتيب مكانة المرأة في الخطاب الاجتماعي والفكري لا تشكل تحديًا للآخرين، بل تؤكد أن العقل والفعل لا يقتصران على جنس محدد. فالوعي والممارسة هما مقياس التأثير والحق.
يقول الله تعالى: {اقْرَأْ} [العلق: 1]، مانحًا حق المعرفة والمشاركة لكل إنسان، كما منحه للرجل، لتأكيد أن التكليف الإنساني واحد، والحق قائم على العمل والوعي.
هذا التحول العملي يشمل جميع مجالات الحياة: العمل، الفكر، التعليم، المشاركة السياسية والاجتماعية، وإعادة صياغة المعنى الاجتماعي للفعل.
المرأة اليوم تكتب نفسها بنفسها، وتعيد ترتيب النصوص القديمة لتتوافق مع التكافؤ والعدالة التي أقرّها الوحي، وتوضح أن الحقوق ليست مجرد منح، بل أمانة ومسؤولية.
يقول الله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: 25]
مؤكداً أن الفعل والحق لا يعرفان جنسًا، بل يقاسان بالوعي والممارسة.
حضور المرأة اليوم في الفعل الاجتماعي والفكري يعيد التوازن للنص الاجتماعي، ويضع المجتمع أمام حقيقة واضحة: القدرة على العمل والمعرفة والحق لا تُقاس بالهوية الاجتماعية أو التاريخية، بل بالإدراك والمسؤولية. أي محاولة لتقييد حضورها هي محاولة لتقييد الحق الإنساني ذاته، وإعادة إنتاج أدوار نمطية لا تتوافق مع النص القرآني.
المرأة اليوم، بفعل وعيها واستقلالها، تعيد كتابة التاريخ، وتكشف أن أي قراءة ضيقة أو تقليدية للنصوص لم تعد صالحة، وأن المجتمع مدعو لمراجعة مقاييسه القديمة والتوقف عن اختزال الإنسان إلى أدوار محددة سلفًا.
إذا كانت المرأة اليوم تعيد رسم حدود النص الذي كتب لها عبر التاريخ، فهل سيستمر المجتمع في قياس قيمتها بمعايير قديمة، أم أن النص نفسه سيتحوّل ليعكس الفعل والمعنى الحقيقي؟