عايض بن خالد المطيري
لم يعد انفلات بعض مشاهير المنصات الاجتماعية أمرًا مفاجئًا، فهو نتاج سنوات من التلميع الإعلامي الذي مارسته القنوات المرئية والمقروءة، ثم انضم إليهم اللاعب الجديد في الساحة البودكاست وبرامجه الحوارية. هذه المنابر لم تقتصر على نقل الأحداث، بل ساهمت في صناعة نجومية وهمية لأشخاص يفتقرون إلى الرصيد المعرفي والقيمي، فغدا المحتوى المقدم مجرد كم هائل من السخافة والتفاهة، أسهم في تسطيح الوعي العام.
في هذا السياق، جاء تصريح وزير الإعلام سلمان الدوسري ليضع النقاط على الحروف، مؤكدًا أن الوزارة تقف بوضوح ضد التباهي بمظاهر الثراء الزائف، وأن المجتمع نفسه يتحمَّل جزءًا من المسؤولية، مشددًا على أن العقوبة الأجدى لهؤلاء هي التوقف عن متابعتهم.
هذا التصريح لا يكتفي بوصف الأزمة، بل يضع الإعلام والمجتمع معًا أمام اختبار صريح: أي ذائقة نريد؟ وأي وعي نصنع للأجيال المقبلة؟
الحقيقة أن الأزمة لم تبدأ من التطبيقات الحديثة ولا من هوس «الترند»، بل من الإعلام التقليدي الذي فرَّط في دوره؛ فقام في وقت مضى بتلميع أسماء فارغة ومنحها مساحات واسعة على الشاشات والصفحات، من خلال اللقاءات المتكررة، بل وتقليد هؤلاء في بعض البرامج الدرامية، ليحوّلهم إلى «ظواهر اجتماعية» بلا مضمون.
البحث المستمر عن نسب المشاهدات والإعلانات جعل المضمون ثانويًا أمام الأرقام، فتحوّل الإعلام من حارس للقيم إلى شريك في تضليل المجتمع.
القنوات التي يُفترض أن تصون الذوق العام وللأسف، حولت بعض برامجها إلى منصات لتسويق الانحطاط الثقافي، فيما انساقت بعض الصحف خلف عناوين مثيرة على حساب العمل المعني الجاد. هذا الانحدار فتح الباب واسعًا أمام مشاهير التفاهة ليملؤوا فراغًا صنعه الإعلام نفسه.
لذلك، لا يكفي محاسبة مشاهير المنصات ما لم يُصلح المنبر الذي صنعهم. المطلوب مراجعة السياسات الإعلامية ووضع معايير تحمي الذوق العام وتدعم المحتوى النوعي، مع رقابة مهنية لا تقيّد الحرية، بل تحمي المجتمع. وتقع المسؤولية الأساسية هنا على وزارة الإعلام والهيئة العامة لتنظيم الإعلام لضمان ضبط السياسات وحماية الذائقة العامة.
فالحرية الإعلامية مسؤولية، والإعلام اليوم أمام خيار حاسم إما أن يستعيد دوره في صناعة الوعي وصون القيم، أو يظل شريكًا في صناعة فراغ يهدد الوعي الجمعي ويشوِّه صورة الأجيال المقبلة.