د.عبدالله بن موسى الطاير
في أمريكا، تشتعل ثورة هادئة، ليس في أروقة الكونغرس، بل في غرف نوم الأمريكيين. يدفع الاستراتيجيون المحافظون، مدعومين بالتوقعات الديموغرافية بسياسات لرفع معدلات المواليد بين قاعدتهم الانتخابية، معتبرين الإنجاب سلاحًا انتخابياً طويل الأمد في مواجهة الحزب الديموقراطي الذي يستورد الناخبين عبر التجنيس وتشجيع الهجرة.
إنه رهان محفوف بالمخاطر الأخلاقية يوظف علم الأحياء لإعادة تشكيل الخريطة الانتخابية للبلاد، ورهن بالنتائج غير المؤكدة. يعتقد الجمهوريون أن أطفالهم سيرثون معتقداتهم وسياساتهم وسيكبرون ناخبين جمهوريين، مدفوعين بقناعة أن المهاجرين والمجنسين يميلون إلى الحزب الديمقراطي. إذاً فنحن أمام معادلة استنبات الناخبين في مقابل استيرادهم.
ربما ليس لأسباب سياسية، وإنما دينية، يتمتع المحافظون بالفعل بـخصوبة مرتفعة، مع معدلات مواليد أعلى من الليبراليين. في الولايات الحمراء مثل يوتا وساوث داكوتا، تتزايد أعداد الأسر، على عكس الاتجاهات الوطنية لانخفاض الخصوبة. في الوقت نفسه، تعاني الولايات الزرقاء من ركود سكاني، يتفاقم بسبب هجرة السكان إلى معاقل المحافظين مثل تكساس وفلوريدا حيث تُحترم الأسرة وتقاليدها ولا تسن تشريعات تشل قدرة الأبوين على التربية. ويقال إنه بحلول تعداد عام 2030م قد يمنح هذا التحول الجمهوريين ما يصل إلى 12 صوتًا انتخابيًا إضافيًا، حيث يؤدي ارتفاع أعداد السكان في الولايات الجمهورية إلى إعادة توزيع المقاعد.
التدخل السياسي في هذه المعركة الحميمية بدا واضحاً من تقديم إدارة ترامب تدابير داعمة للإنجاب، ومنها مكافآت نقدية للآباء الجدد، وتوسيع نطاق علاجات العقم، وحتى التثقيف حول الدورة الشهرية في المدارس لتشجيع تنظيم الأسرة في وقت مبكر. يركز مشروع 2025م الذي يعتبر إلى حد بعيد إنجيل الإدارة الحالية على البدائل التكنولوجية مثل إعانات التلقيح الاصطناعي، ويضعها في إطار استثمارات داعمة للأسرة. الهدف المعلن هو تدابير لمعالجة انخفاض معدل الخصوبة في الولايات المتحدة إلى 1.62 ولادة لكل امرأة، وهي نسبة متدنية جداً، من خلال جعل الإنجاب أكثر سهولة وأولوية في ثقافة التزاوج وتأسيس الأسرة. يدفع المؤيدون لهذا التوجه أن تدابيرهم من شأنها دعم الضمان الاجتماعي والنمو الاقتصادي دون الاعتماد على الهجرة، التي يزعمون أنها تضعف القيم الأمريكية وتعزز المشاركة الديمقراطية.
في المقابل، ترتفع أصوات معارضة تعتقد أن تلك الإجراءات تتجاهل حقائق قاسية منها أن الهجرة ليست مجرد «استيراد» ناخبين محتملين - بل هي ضرورية لتعويض التراجع الديموغرافي، فبدونها يشيخ سكان الولايات المتحدة بسرعة، مما يُرهق الموارد، مع انخفاض عدد العمال بسبب تزايد أعداد المتقاعدين. يتجاهل تركيز المحافظين على المواليد الأصليين كيف أن سياسات مثل قيود الإجهاض وتقليص حقوق الإنجاب - التي أُعيد إحياؤها في عهد الرئيس ترامب - قد شكلت هواجس لا تشجع النساء على إنجاب الأطفال تمامًا. في الولايات التي فرضت حظراً على الإجهاض، ازدادت مخاوف الخصوبة، حيث أشارت العديد من النساء إلى أن الحصول على الرعاية الصحية لمواليدهن يشكل عائقاً يحول دون الإقدام على الإنجاب، خاصة إذا كان المولود معتلاً. التجارب العالمية في تقديم الحوافز النقدية، مثل مكافآت المواليد حققت نتائج متباينة؛ فهي تُعزز نمو الولادات قصير الأجل لكنها لا تُعالج قضايا أعمق مثل تكاليف رعاية الأطفال، والتوازن بين العمل والحياة، وانعدام الأمن الاقتصادي.
سياسياً، تفترض الخطة إرثاً أيديولوجياً داعماً، لكنهم يغفلون أن الأجيال تتطور؛ جيل الألفية والجيل زد، حتى من العائلات المحافظة، يميلون إلى التقدمية في قضايا مثل المناخ والمساواة، مما قد يقلب الموازين، ويخرج من أصلاب الجمهوريين المحافظين من يصوت للديموقراطيين ويدعم أجندتهم الليبرالية.
بيانات التعداد السكاني تُظهر أن التنوع يصب في مصلحة الديمقراطيين على المدى الطويل، وأن التعامل مع التركيبة السكانية على أنها لعبة محصلتها صفر يؤجج الانقسام، ويعزز الخطاب القومي والمضاد له، مما ينفّر المعتدلين والمهاجرين من الاندماج في أي من الحزبين.
يرى البعض أن وصول التنافس السياسي إلى الأرحام، وغرف النوم للحصول على الأصوات هو قصر نظر غير محسوب العواقب؛ فالاستقرار الديموغرافي الحقيقي يتطلب سياسات تشمل توافر إسكان بأسعار معقولة، ورعاية أطفال شاملة، وإصلاحاً للهجرة يسخّر المواهب العالمية لخدمة التقدم العلمي والصناعي. بدون ذلك، فإن الهوس بالخصوبة لا يضمن الهيمنة الانتخابية، بل يهدد بدولة مُستقطبة أحادية التفكير ومنقسمة على نفسها.
يُشير أحد الخبراء معلقاً على ما يجري من انتقال السياسة من الكونجرس إلى غرف نوم الأمريكيين أن مستقبل أمريكا مُعلّق بالتعايش، وهو ليس في مهاجع النوم أو معابر الحدود، بل في الوحدة الوطنية.