د.عبدالحفيظ عبدالرحيم محبوب
على الرغم من أن الولايات المتحدة تحتل حالياً مكانة رائدة في مجال الذكاء الاصطناعي، لكن نجاح شركة ديب سيك الصينية يشير إلى أن هذه الميزة ليست بالأهمية نفسها التي تبدو عليها، حيث تهدف خطة عمل الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة إلى ضمان استمرار تفوق ابتكارات الذكاء الاصطناعي على ابتكارات الصين، ما يضمن ريادة الولايات المتحدة في هذا المجال.
التنافس بين الولايات المتحدة والصين ليس لعبة محصلتها صفر، بل هو تنافس متعدد الأوجه ومعقد تشكله عوامل كثيرة كالاعتبارات الجيوسياسية والوصول إلى البيانات، والمواهب، والبيئات التنظيمية، والبنية التحتية التكنولوجية، فعلى سبيل المثال صمم GPT-4.5 من أوبن إيه آي خصيصاً للمهام المعقدة وفهمها من خلال موارد حاسوبية هائلة، ومن ناحية أخرى يبنى Perceiver من ديب مايند نهجاً مختلفاً حيث يقدم نسخة من أداة تحويلية قادرة على معالجة البيانات متعددة الوسائط، مثل الصور والصوات والفيديو، ما يجعله متعدد الاستخدامات عبر مجموعة متنوعة من أنواع المدخلات.
لا يمكن تحديد الريادة التكنولوجية من خلال التفوق الحالي لأي بنية معمارية واحدة، بل سيشكل مستقبل الذكاء الاصطناعي مجموعة من النماذج المتخصصة التي يعالج كل منها مهام ومتطلبات فريدة، فمثلاً يعزز نظام Claude 3.5 Sonnet من أنثروبيك قدرات التفكير البصري من خلال تحسين قدرة الذكاء الاصطناعي على نسخ النصوص من صور غير مكتملة أو مشوشة، ما يمثل تقدماً كبيراً في مجال الذكاء الاصطناعي متعدد الوسائط، وهناك نموذج يحقق التوازن بين التفكير السطحي والسريع والبطيء والمدروس ما يحقق مرونة فريدة في صنع القرار، حيث يمثل كل نموذج آفاقاً جديدة في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، وهي لا تستبعد بعضها بعضاً، بل تعكس مشهداً سريع التطور.
هناك تنافس بين الولايات المتحدة والصين وقد شددت الولايات المتحدة ضوابط التصدير، وقيدت تعاونها مع الصين، من أجل حفاظ الولايات المتحدة على هيمنتها في مجال الذكاء الاصطناعي، ما حدَّ من وصول الصين إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي الأميركية المتقدمة، بما في ذلك الرقائق المتطورة، والحوسبة السحابية، في المقابل قررت الصين فرض ضوابط إضافية على تصدير تقنيات وعناصر المعادن النادرة، اعتبر ترمب أن الصين أصبحت عدائية للغاية، وقرر فرض تعريفات جمركية 100 % على الصين من الأول في نوفمبر 2025، واعتبر ترمب أن إجراءات الصين انتقامية وغير ودية، وأنه لن يسمح للصين بأن تأخذ العالم رهينة، وقال لا يفهم سبب قرار الصين التحرك الآن، بعدما شهدت العلاقات الأميركية - الصينية تحسناً عندما أصبح تيك توك تحت إشراف أميركي، بسبب أن العناصر الأرضية النادرة أساسية في تصنيع كل شيء، من الهواتف الذكية والمركبات الكهربائية إلى المعدات العسكرية وتقنيات الطاقة المتجددة، وتهيمن الصين على إنتاج ومعالجة هذه الموارد على مستوى العالم.
لذلك تحرص السعودية على الحصول على المعادن النادرة من الصين، والحصول على التقنية الذكية من الولايات المتحدة، وقبل زيارة ترمب للسعودية أنشأت السعودية شركة هيوماين للذكاء الاصطناعي في مايو 2025 المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة؛ بهدف توفير قدرات الذكاء الاصطناعي الكاملة عبر مراكز البيانات والبنية الأساسية ومنصات السحابة ونماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، والتي تأمل السعودية أن تضع السعودية كمركز للذكاء الاصطناعي في المنطقة، وبعدما كانت الولايات المتحدة تضع حظراً على تصدير الرقائق الإلكترونية إلى السعودية، ومنذ شهر مايو 2025 تجري السعودية مفاوضات وفق صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية وهناك تقدم كبير بين الولايات المتحدة والسعودية حول اتفاقية تسمح لشركات الرقائق الأمريكية بتصدير أشباه الموصلات إلى السعودية.
تتعاون شركة هيوماين السعودية مع شركتي تصنيع الرقائق الأمريكية العملاقتين AMD وإنفيديا للحصول على الرقائق التي ستزود خطط بناء مركز البيانات التابعة للشركة السعودية، كما بدأت الشركة في بناء مجمعين ضخمين في السعودية يضمان 11 مركز بيانات، وتبلغ قدرة كل مركز 200 ميغاواط.
تهتم السعودية بالذكاء الاصطناعي لتحقيق رؤيتها التي تهدف إلى تنويع الاقتصاد وزيادة النمو الاقتصادي، كما الصين التي تود الاستفادة من روبوتات الذكاء الاصطناعي لتقليص الفجوة في الناتج المحلي الإجمالي بينها وبين الولايات المتحدة خلال العقود الثلاثة المقبلة، وهناك توقعات أنه بحلول نهاية خمسينيات القرن الحادي والعشرين سيبلغ الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للصين 3.5 أضعاف مستواه في 2024 ليصل إلى 89 % من حجم الاقتصاد الأمريكي عام 2057، بسبب اعتماد الصين على التصنيع أكثر من الولايات المتحدة.
كذلك تود السعودية الوصول إلى ناتج محلي إجمالي غير نفطي يبلغ 4970 مليار ريال بحلول 2030 مرتفعاً من 1447 مليار ريال عام 2016 و 1807 عام 2024، وزيادة مساهمة القطاع الخاص المحلي الإجمالي من 40 % حالياً يبلغ 43 % إلى 65 % وتعزيز الشركات الصغيرة والمتوسطة زيادة مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي تبلغ حالياً 28 % إلى 35 % وهي مسؤولة عن توفير 70 % من الفرص التوظيف، ورفع مساهمة الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الناتج المحلي الإجمالي من 3.6 % إلى 5.8 %.
** **
- أستاذ الجغرافيا الاقتصادية والسياسية بجامعة أم القرى سابقاً