فائز بن سلمان الحمدي
في زمنٍ ضاقتْ فيه الأرواحُ بما حملت، وازدحمتِ الخطى على دروبِ الحياةِ تزاحُمَ النملِ على فتاتِ الخبز، وتكاثرتِ الملهياتُ التي تجرّ القلوبَ إلى وهادِ الغفلة؛ يلوحُ في أفقِ واقعنا مشهدٌ دامٍ لا يُرى في كلِّ بيتٍ، ولكنّه إنْ حلَّ في بيتٍ واحدٍ كان كقبسِ نارٍ يلتهمُ أطرافَ المجتمعِ حتى يطولَ لهيبُهُ قلبَه.
إنّها صورةُ شبابٍ غضٍّ لم تكتملْ فيهم نضرةُ الحِلم، تضطرمُ في صدورِهم نيرانُ الحماسة، فتأخذُهم العجلةُ عن الرزانة، ويغلبُهم الغضبُ على الحِكمة، فيتنازعون على التوافه، ويتخاصمون على الهباء، كأنّهم خُلقوا للخصامِ لا للتفاهم، وللصدامِ لا للمروءة. وما ذاك بظاهرةٍ تعمُّ، ولكنّه داءٌ يسري في الأطرافِ حتى يخشى منهُ على القلب، كشرارةٍ صغيرةٍ في هشيمٍ جافّ، إن لم تُطفأْ أحرقتِ الكلَّ.
هو جرحٌ في جسدِ المجتمعِ صغيرُ الموضعِ، عظيمُ الأثر؛ إن تُركَ بلا علاجٍ نزفَ حتى أضعفَ الجسدَ كلَّه، وإن أُهملَ كان كالسمِّ يَسري في عروقِ القيمِ حتى يخدرَها.
كم من شابٍّ أضاعَ زهرةَ عمرِه في لحظةِ طيشٍ كإعصارٍ عابرٍ خرّبَ ما حولَه ثم مضى، وكم من أمٍّ أطفأتْ قنديلَ الليلِ بدمعةٍ لا تجفُّ، وكم من أبٍ نامَ على وسادةِ ندمٍ قاسيةٍ لأنّه لم يُمسكْ بيدِ ابنهِ يومَ احتاجَ إليه، فتركَهُ ليدٍ عابثةٍ وهاتفٍ غافلٍ وعالمٍ بلا قلبٍ ولا بصيرة. لقد اختلّت الموازينُ في عقولِ بعضِ شبابِنا، فصارتِ الرجولةُ في ظنِّهم تُقاسُ بقوةِ الذراعِ لا بعمقِ العقل، وبحدّةِ الصوتِ لا بسموِّ الخلق. وأيُّ رجولةٍ تلك التي تستمدُّ مهابتَها من الصياح، وتستجدي احترامَها بالتهوّر؟ أما علموا أنَّ نبيَّ الهدى- صلى الله عليه وسلم- قال: «ليس الشديدُ بالصُّرعة، إنّما الشديدُ الذي يملكُ نفسَه عند الغضب»؟. وأنَّ اللهَ تعالى قال: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}.
إنّ الرجولةَ الحقّةَ لا تُولدُ في ساحاتِ الشجار، بل تُصاغُ في محاريبِ الصبر، وتُختبرُ في موازينِ الأخلاق، وتُقاسُ بقدرةِ الرجلِ على كبحِ عاصفةِ نفسهِ حين تهبّ. الرجولةُ أن تمشي على شوكِ الغضبِ ولا تئنّ، وأن تَملكَ نفسك حين يملكها غيرُك الهوى، وأن تُطفئَ نارَ الكلمةِ قبلَ أن تَحرقَ دارًا من القلوب.
غيرَ أنّ اللومَ لا يُوجَّهُ إلى الشبابِ وحدهم؛ فكم من أبٍ شغلتْهُ الأرزاقُ عن الأرواح، وكم من أمٍّ أتعبها الجسدُ حتى غابَ القلبُ عن الميدان.
يا آباءَ اليوم، إنّ أبناءَكم لا يطلبون منكم مالًا وفيرًا، بل قلبًا حاضرًا، ونظرةَ حنانٍ تُعيدُ إليهم الاطمئنان. ويا أمّهاتِ الغد، ليس الحنانُ تدليلًا ولا الحزمُ قسوة؛ بين اللينِ والشدةِ ميزانُ الحكمة، ومن أفرطَ في أحدِهما اختلَّتْ معادلةُ القلب. التربيةُ ليست طعامًا يُقدَّم، ولا كساءً يُعطى، بل هي غرسُ فكرٍ في أرضٍ عطشى، وسقْيُ نبتةِ الفضيلةِ في مواسمِ الجفاف.
قال نبيّ الرحمة -صلى الله عليه وسلم-: «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤولٌ عن رعيّته». فمن رعى قلبَ ولدهِ رعى أمّةً، ومن غفلَ عن بيتهِ أضاعَ وطنًا.
يا أيّها الآباء، ازرعوا في أبنائِكم الحلمَ قبلَ الحِرْفة، والضميرَ قبلَ المهارة، وعلموهم أنّ النصرَ على النفسِ أشرفُ من كلِّ نصرٍ على الناس. ويا أيّتها الأمهات، كُنَّ لهم دفءَ صدرٍ، وضيءَ دربٍ، وسرّ أمانٍ في زمنٍ موحشٍ كغابةٍ من ضجيجٍ وادّعاء. أيّها الشبابُ، يا زينةَ المجتمعِ وذخرَ غدهِ، تمهّلوا قبلَ أن تَحكموا، وتروّوا قبلَ أن تغضبوا، فليس الغضبُ مجدًا، ولا الصياحُ رجولةً. احفظوا هيبتَكم بالصبر، وكرامتَكم بالعفو، فالصبرُ تاجُ العظماءِ، والعفوُ زينةُ الأقوياءِ. ألا تسمعون قولَ نبيّكم -صلى الله عليه وسلم- للرجلِ الذي استوصاه فقال له مرارًا:
«لا تغضبْ»؟ فكأنّه يقولُ له: أمسكْ زمامَ نفسِك فإنّها خيلٌ جامحةٌ، إن تركتَها أوردتكَ مواردَ الهلكة. إنّ أبناءَنا مرآةُ تربيتِنا، وصورةُ ما غرسناهُ فيهم؛ فمن أرادَ جيلًا عاقلًا رحيمًا فليكنْ في بيتِه منبعَ عقلٍ ورحمة، ومن أرادَ أبناءً أصحابَ مروءةٍ فليكنْ هو المروءةَ فيهم.
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا}، إنّ المجتمعَ الذي يغضبُ شبابُهُ لبعضهم بغيرِ حقٍّ، وتتعاظمُ فيهِ النزواتُ على القيم، هو مجتمعٌ يَنهارُ من داخلهِ قبلَ أن يُغلبَ من خارجه وأخطرُ ما يُصيبُه أن يستوطنَهُ داءُ اللامبالاة، فيرى الناسُ المنكرَ صغيرًا لأنّه لا يمسُّهم، حتى إذا مسَّ بيوتهم أدركوا أنّهم كانوا شهودَ صمتٍ على خرابٍ آتٍ. الإصلاحُ لا يبدأُ من الخُطبِ العالية، بل من همسةِ أبٍ صادقٍ، ولمسةِ أمٍّ رحيمةٍ، ومن مدرسةٍ تُعلّمُ الضميرَ قبلَ الدروس، ومن إعلامٍ يُنيرُ لا يُثير، ومن مجتمعٍ يرفعُ رايةَ التسامحِ لا رايةَ التناحر.
فيا ربَّ القلوب، ألّفْ بين قلوبِ شبابِنا، واطفئْ نيرانَ الغضبِ في صدورِهم، وردَّ الآباءَ والأمهاتِ إلى رسالتِهم، واجعلْ مجتمعَنا واحةَ عقلٍ ومحبّةٍ وسكينةٍ، يرفعُ رايتَهُ بالحكمةِ لا بالهوى، وبالعقلِ لا بالعصبيّة، وبالرحمةِ لا بالبغضاء.