صابر المحمدي
ليست صحيفة الجزيرة مجرّد أوراق تُقلب على عجل، بل هي فجر يُشرق بالحرف وصوت وطن ينهض من بين السطور.
تتقدم إليك كل صباح في حُلّةٍ من البيان، تحمل فكرًا لا يشيخ، وأسلوبا لا يمل كأنها تسابق الضوء لتودع في كل قارئ نبضا من وعي، وشعاعًا من وطن.
منذ أيام العمل الأولى، كنتُ أترقب وصولها كما يُترقب الغيث في عام مجدب، فإذا وصلت إلى يدي، انفرجت الأبواب للمعرفة، وانطلقت أقرأها صفحة صفحة لا أكتفي بعناوينها، بل أقيم في جنباتها إقامة محب في دار حبيب.
وفي يوم الإجازة كنتُ أبتاعها طوعًا، لا عادةً، فاقتناء الجزيرة كان عندي طقسا من طقوس الصباح، أستفتح بها اليوم لقراءة ما هو آتٍ.
فيها الدين نهر طمأنينة رقراق تسري فيه مقالات العلماء والدعاة، تُسكب في القلوب سكينةً وتُعلّم العقول رزانة.
وفيها الأدب بساتين من الحروف المزهرة، تُثمر فكرًا، وتُزهر ذوقًا، يكتبها أدباء يطرزون الكلام كما يطرز الصائغ الذهب.
وفيها السياسة حديثُ العقل والحكمة، لا تهييج فيها ولا تهريج، بل وقار الرؤية واتزان الكلمة.
وفيها الرياضة تُطلّ على القارئ كنسمة صباح فيها فرح وحماسة، وأدب في التنافس لا يعرف الإسفاف.
وفيها المجتمع يُحكى بصدق وعفوية، تُعرض فيه قصص الناس، وآمالهم وهمومهم، كأنك تراهم وتسمعهم وتعيش بينهم.
ثم ذاك الملحق الثقافي الذي يتلألأ كجوهرة في تاج الصحيفة، فيه من بحور الأدب ما يغريك بالإبحار، ومن أعلام الفكر ما يُعيد إلى الكلمة وقارها وقدسها.
وفي الصفحات الشعبية تجد نكهة الأصالة وعبق التراث، كأنّ الجزيرة تمسك بيد الماضي لتضعها في يد الحاضر، فتجمع بين الأصالة والتجديد في انسجام لا يُخلّ بتوازنها ولا يُذهب رونقها.
وكم فرحت حين رأيتُ منذ سنوات صفحات الجزيرة تُنشر بصيغة (PDF)، كأنها عادت إلي بثوب رقمي أنيق، يُعيد نكهة الورق بألوان العصر.
تكتب فيها أقلام تستحق التتويج قبل المتابعة، أقلام صدقها أشد بريقًا من حبرها، وبلاغتها أندى من نسيمها. في كل مقال فكرة تومض، وفي كل سطر نغمة تُطرب، وفي كل عدد روح وطن تضيء.
وهكذا تبقى صحيفة الجزيرة منارةً لا تنطفئ، ومكتبةً يوميةً تمشي إلى الناس بدل أن يذهبوا إليها، وميدانا تتصافح فيه العقول كما تتصافح الأيدي.
هي الجسر بين الفكر والوجدان وبين الكلمة والموقف، تُحدّثك عن الوطن بلسان المحب، وتكتب عن الإنسان بعين الرحمة والعقل.
ولذا أحببتها، كما يُحبّ المرء صوته الأول حين يتعلّم النطق، وكما يُحبّ الوطن حين يتعلم الحنين.
ستبقى صحيفة الجزيرة في القلب حبرًا من ضياء، وصوتًا من وعي، ومرآة من صدق وجمال صحيفةً تُقرأ بالعقل، وتُسكن في الفؤاد، وتظل شاهدةً على أن للكلمة الطيبة أثرًا لا يزول، وللحرف الصادق عمرًا لا يفنى.