مرفت بخاري
كم هو عظيم هذا الكائن الذي أبدع الله في تصويره وخلقه في أحسن تقويم، وبثّ في روحه معاني الخير والحب والعطاء. ومن تعدد نعم الله عليه أن خلق له مع البصر بصيرة، تُكمل نعمة البصر بالنظر إلى ما يحجب عن العين، فيرى بواطن الأمور وكأنها تتجلى أمامه. يشعر بها ويتصرف وفق يقينه بأن الله وهبه البصر والبصيرة، هاتان النعمتان العظيمتان اللتان تختزلان الكثير من ردود الأفعال والتصرفات، وتجعلانه في مأمن من أي خطر يهدد حياته وهدوئه ومساره في هذه الدنيا.
ولم يقتصر الأمر على هذا فحسب، بل شقّ له سمعه، وأكرمه بقلب ينبسط وينقبض كمؤشر ديناميكي للاستشعار وتحديد المسار. فيشعر بطاقة المكان وبطاقة ساكنيه بكل شفافية، وكأن الله سبحانه يُلهمه عن الأماكن والأشخاص: متى نقرّبهم ومتى نبتعد، ومن له حق علينا ومن لنا حق عليه. ويمرّ الزمان والأحداث لتؤكد لنا أن مخاوفنا في محلها، وأن مشاعرنا تنصفنا دائمًا.
والأجمل من ذلك أننا نملك قلوبًا لا تحمل الشر لأحد، ولا الضغينة، ولا تجد فيها نوايا الفساد أو الأذى. قلوباً سليمة نقية، كما أشار عزّ وجلّ في قوله تعالى: {إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} (الشعراء: 89). فاللهم اجعل قلوبنا سليمة تأتيك وأنت راضٍ عنها.
وماذا أخبركم عن هذه القلوب السليمة؟ إنهم أناس تدمع أعينهم من أقل المشاهد الإنسانية. يُبكيهم الظلم وإن لم يقع عليهم، يشعرون بألمك ووجعك، ويشاركونك سعادتك ودعواتك. يفرحون بنجاحك، ويتباهون بك في كل مرة تقف بعد أي انكسار. وجودهم في حياتنا سعادة وإشعاع، يُسلّط نوره على الظلام الكاحل في أعماقنا، فيُخرج أجمل ما فينا.
تعرفهم بسيماهم: وجوه سمحة لا تأكل اللحم نيئًا، ولا يستهويها الخوض في أعراض الناس. لا تبيح الفتن ولا تنشرها، ولا تفرح بسقوط الآخرين، ولا يسعدها دمار البيوت أو خرابها. أناس وضع الله في قلوبهم يقينًا بأن الخير خُلق مقسّمًا من رب البشر، وأن خزائنه ملأى لا تنفد. فيتبارك الخير فيهم متى جاء، ويُثمر أينما حلّ.
هؤلاء خط دفاعهم الأول متى وقع عليهم الشر والمكر والضرر من إبليس وأعوانه من الجن والإنس. خالق الخلق، فهو ناصر المظلومين، من حرّم على نفسه الظلم، يُنصفهم، ويأتي جزاؤهم من جنس عملهم ولكن بصورة مفجعة، كما قال تعالى: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} (الأنفال: 30).
فمن لا يرضى بقسمة الله، ويبادر بمضرة الخلق، يجد السخط في حياته ويلازمه، حتى يقتصّ الله منه ويردّ كيده في نحره. وهذا ما نوّه له مشايخنا في خطب الجمعة مرارًا عن المضرة والضرر.
علاقتنا بين البشر لا بد أن تكون خالية من السموم والكراهية والحسد والضغينة، ومن خبث القول وخبث العمل. عندها وحدها نضمن سلامة القلب والروح والجسد، ونعيش حياة هانئة، معافى البدن والفكر، سليم القلب.
علّموا أبناءكم أن خزائن الله لا تنفد، وأن نعيمه لا يقتصر على أحد، وأن رحمته وسعت كل شيء. ربوهم على فضيلة حبّ الخير ونشر السعادة، ولو بالكلمة الطيبة، فهي من أعظم الصدقات أثرًا. اغرسوا فيهم معاني الإيثار منذ الصغر، وجمال المشاركة في الحياة، فلا تحلو الحياة إلا بمخالطة أناس يشبهوننا بخيرهم وبِرّهم وعطائهم الذي لا حدود له.
يكفينا نفورًا، يكفينا دمارًا، يكفينا شتاتًا، يكفينا وجعًا.
دمتم بقلوب طاهرة، محبة، مليئة بالسكن والسكينة.