د.عبدالإله آل سودا
في لحظةٍ تاريخية فارقة من القرن العشرين، قيلت عبارة: «اكذب، ثم اكذب، ثم اكذب حتى يصدقك الناس»، إنها عبارةٌ تُلخِّصُ بصفةٍ مُقلقة ومُخيفة في ذات الوقت، آليّةَ صناعة الوهم الجماهيري؛ فالكِذْبَةُ حين تُقالُ بطريقةٍ منهجية، وتُغلَّفُ باستراتيجيات لغوية ونفسية واجتماعية، ويَتكرر إذاعتُها في الناس؛ لا تَعود مجرد انحرافٍ عن الحقيقة، بل تصبح هي الحقيقة ذاتها على الأرجح، ثم تترسّخ على مرور الزمان؛ لتغدوَ كِذْبةً نُسِيَ أنها كذلك!
يبدو لي أن المقولة السابقة التي تُنسَبُ إلى الألماني جوزيف غوبلز(توفي 1945م) تَمُتُّ بصلةٍ إلى ظاهرة سلوكية أخرى تتعلق باللغة، وهي أن تكرار الخطأ اللغوي يتحول بعد مدة زمنية إلى صوابٍ عُرفي، بل إن كثرة تكرار الخطأ اللغوي تؤدي إلى استقراره في أذهان المتلقين، ثم قبوله اجتماعيًا ثم (شرعنته وتذليل القواعد اللغوية له) ! فكلمة «التواجُد» مثلاً، لم تَكنُ معروفةً في اللغة التراثية ولا في المعجم القديم أنها بمعنى (الوجود والحضور) حتى شاعتْ في العصر الحديث، فَذُلِّلَتْ لها معايير اللغة، وأجازها بعضُ لغويينا المعاصرين، وأوجَدَ لها مَساغًا. والأمثلة كثيرة، لا تَسَعُها هذه المساحة.
وكما أنه لو طَرَقَ سَمْعَكَ مرارًا عبارة مثل: «فلانٌ عبقري»؛ فإنك بعد التكرار المستمر والدائب، سيتكيف عقلُك لتصديق العبارة تلقائياً؛ لأن المعلومة المألوفة تُشعِرُ الإنسانَ بالأمان، وهي خَصِيصَةٌ سلوكيةٌ فيه، لا يَنجو منها إلا القليل ؛ تمامًا كما لو صُبَّ في أُذنيكَ دومًا، وغَشِيَ بصرَكَ في كل حينٍ، عبارةٌ مثل: «تَواجَدَ المسؤولُ في القاعة» أو «الاختبارات الفَـتْـريّة» نَظَرًا إلى أن الفترة في معناها المعجمي القديم تعني مُدّة تتميز بالفتور لا بالجِدّ والعمل؛ فإنك رغم مخالفة هاتين الكلمتين لصحيح اللغة ستتقبلهما وتُسيغهما، بل ستكونان صحيحتين، وسيُنكَرُ تخطئتهما، أو على الأقل سيكون مُخَطِئُهما ثقيلَ دم.
وإذا أردنا تَطبيق هذه الظاهرة البشرية على الجانب اللغوي؛ فسنجد صراعًا مُحتِدمًا تَدوُرُ رَحاهُ في ساحة اللاوعي الجَمعي بين جيوش الكلمات والعبارات المألوفة والشائعة، وجيوش الكلمات أو العبارات التي تُصَوِّبُ هذا المألوفَ الشائع، حيث تتجلى للناظر القُدرة الفريدة والمدهشة لاستمرار كلماتٍ أو عبارات على مدى العقود الماضية تُقارِعُ سيوف نَقَدَة اللغة، وتُدَمِّرُ مدافِعَ ورشّاشاتِ مُصَوِّبي الأخطاء!
ولا أخفي القارئ أنه يَقَعُ في وهَمي حين أستحضر هذه الحالة، أنّ تشارلز داروين لو كان في عصرنا واطّلع على هذه الكلمات أو العبارات لعَدَّها جديرةً بأن تكون نموذجًا لـ(البقاء للأصلح)؛ نَظرًا إلى أن صُمُودَها طَوَالَ هذه العقود دليل على كونها الأكثر توافقًا مع بيئتها والأجدر بالبقاء، وأنها تَمَكَّنَت من التحلي بصفاتٍ تتلاءم مع مناخها رغم انتفاء صحتها اللغوية أو تأخّر رُتبة صوابيتها؛ فهي بَقِيَتْ تُتَداوَل، لا لأنها الأقوى، بل لأنها الأصلَح، وبُرهانُ هذا أنها نَجَتْ من سهام مصحّحي الأغلاط اللغوية طيلةَ العقود الماضية، وتَكاثَرَ مُستعملوها جيلاً بعد آخر؛ تمامًا كالكائن الذي امتلك صفاتٍ أكثر ملاءمةً لبيئته؛ فنجا من الانقراض، وتَكاثَر؛ لأنه الأصلح(الأنسب للذائقة الجماعية)، لا الأقوى(الأصح) !
وقد يتبادر إلى أذهاننا سؤال: هل مُقاومةُ الخطأ اللغوي الشائع باتت شبه مستحيلة في المجتمعات الرقمية، حيث الأُلفة البصرية والسمعية تزداد يومًا بعد يوم، وتَقْوَى وتترسّخ مع كثرة المطروق لأسماعنا وأبصارنا من الكلمات والعبارات؟
وأذكُرُ في هذا الصدد، أنني كتبتُ مقالةً، نُشرتْ هنا في «الجزيرة الثقافية» قبل خمسة عشر عاما، نَقَدتُ فيها عبارتَـي: «حرفة الأدب»، «وتَخَرّج الطالبُ مِنْ الجامعة». ولا أنسى أنني أومأتُ إلى مقولة: «خطأ شائع خير من صواب مهجور»، ناقدًا هذه المقولة، ومؤكِّدًا أهميةَ المعيار اللغوي.
ومع ذلك، مرّت السنوات ووقَعتُ فيما خَطَّأتُه، ورأيتُ أنني كنتُ مُتسرّعًا في تخطئة عبارة: «تَخَرَّجَ الطالبُ مِنَ الجامعة» بتعدية الفعل (تخرّج) بـ(مِن)، وأنه يُوجَد وجهٌ لغوي صحيح يجعلُها صائبة ! ثم أخذتُ في التفكير في إصرار الغالبية العُظمى من مستعملي اللغة على تعديتها بـ(من) رغم أنّ بعضهم يَعلم خطأَ العبارة بحسَب ما أفادتْه بعضُ كتب التصحيح. وكذلك شَقيقتها الأخرى «حُرْفَة الأدب» التي أجْهَدتُ نفسي لإثبات أنها بضم الحاء لا بكسرها، وأن معناها الشؤم وقلة الحظ، وليس الحِرفة التي بمعنى المهنة. ومع كل ذلك بَقِيَ الناسُ على ما هم عليه، على الأقل فيما رَصَدُتُه. يُضاف إلى ذلك كلمة «مُقارَبة» التي تُستَعمَلُ بمعنى (النهج البحثي) أو (طريقة التناول التحليلي)، هو استعمالٌ خاطئ، وقد قَلَّبْتُها من جميع الوجوه فلم أجد لها وجهًا لغويًا يُسيغُها. ورغم ذلك، ما زال وسيظل كثيرون يَستعملونها لهذا المعنى الخاطئ!
لا أدري حقًا، هل يصح لنا أن نقول: إن المجتمَع يُعيد تعريف الصواب اللغوي عبر التداول المستمر، وأنّ الاستعمال اللغوي الشائع لكلمة أو عبارة حين يستمر في مقاومة التصويب اللغوي، يَكتسب شرعية، ويَدُلُّ بهذا الانتصار على صحته، بل ويُـدِلُّ على مُقابله من الصواب المهجور مُتباهياً ومُزْدَهِياً، أم أن تأثير (تكرار الخطأ اللغوي) هو الذي أحدَثَ ما يُسمى بــ(وهْم الحقيقة illusion of Truth Effect)، وأن الفردَ حتى لو تزوّد بالمعرفة اللغوية الصحيحة؛ فإنه يَخضع لضغط الجماعة حين يَسمع الخطأ أو يراه في كل مكان، متوهّمًا أنه الصواب، وأنّ بدائلَه خاطئة، أو أقل رُتبةً منه في الصواب.
ويُستأنَسُ لهذا، ما ذَكَره الباحث اللغوي الدكتور عبدالرزاق الصاعدي في معرض حديثه عن صواب نُطق كلمة «جدة» بكسر الجيم، حيث قال: «وينبغي قبول الشائع على ألسنة الناس إن كان له وجهٌ في العربية، فالاستعمال الحي أقوى من المحفوظ الميت، وإن كان أهل مكة أدرى بشعابها؛ فأهل (جدة) أعلم بجيمهم، وأمانة مدينتهم تكتبها بكسر الجيم، ويَظهر النطق بالحروف الإنجليزية Jeddah وهكذا عَرَفَها العالمُ اليوم».
وقد يَغيب عن الأذهان أننا حين نُهَمِّشُ المعيارَ اللغوي، ونستسيغ الأخطاءَ اللغوية الشائعة ونألفها، فتتراكمُ الكلماتُ والعبارات المنتصرة (داروينيًّا)؛ أننا بهذا الصنيع سنبتعد شيئًا فشيئًا عن المعيار اللغوي، وستحين ذات يوم منّا التفاتَةٌ، لا تتبيّنُ فيها أبصارُنا سوى ملامحَ باهتة لهذا المعيار، ولا نكادُ نُميزه من المعايير الأخرى. وحينها، ستموتُ اللغة ببطء، لا جَهْلاً مِنَّا بالصواب، بل خُضَوعًا مَنَحْناهُ لهيمنة التكرار، وسطوة المَطْروق على أسماعنا وأبصارنا. فضلاً عن وقوعنا في أَوْهاقِ ما يعرف بـ(العَدوى اللغوية) وهي تُحاكي تمامًا (العدوى البيولوجية) إذ تنتقل عن طريقها الأخطاء اللغوية وتَسُودُ عَـبْر تقليدٍ لا واعٍ، وانقياديةٍ سَلِسَة لـ «ضغط الجماعةpeer pressure « بل حتى لو تضلّعَ الفردُ بمعرفةٍ لغويةٍ صحيحة، فإنه يَخضَعُ -في بعض مناحي حياته- لضغط الجماعة حين يَسمع ويُبصِرُ الخطأ اللغوي في كل مكان. ونتيجةً لذلك تُصاب اللغة بــ»الأنوميا اللغوية Linguistic Anomie»وهي حالةٌ من الفوضى القاعدية(القواعدية) تُحَدّّدُ الصحةُ فيها قياسًا بمدى الاستعمال ومقدار سَطوته، لا بقاعديته وحُجّتِه، مُفْسِحةً الطريقَ للخطأ الشائع كي ينتشر ويُظهِر جَلَدًا بل تَنَمُّرًا على المعيار اللغوي؛ حيث البيئةُ اللغوية أصبحتْ مباحَةً دون رقابة وسياسة، ومتسامحةً من غير غرامات وكَـفَّارات، وسائلةً تَفتَقِدُ إلى مرجعيةٍ واحدة جامِعة. وفي مُعتَرَكٍ كهذا؛ تَدور حَـرْبٌ يُبلِي فيها الذكاءُ الجمعي اللغوي بلاءً حَسَنا، مُبَـرِّزًا ومتفوقًا على المعيار اللغوي القاعدي في الطرف الآخر، ونتيجةً لذلك؛ تستحيلُ المخالفةُ اللغويةُ إلى آلية حمايةٍ تُسوّغها الحساسيةُ اللغويةُ الجماعية، مُشِيحَةً بوجهها عن مُقتضى القاعدة اللغوية، غير شاعرةٍ بتأنيب ضمير لهذا الإعراض والجفاء. (للحديث بقيّة).