صالح الشادي
في زحام الحياة المعاصرة، ووسط ضجيج المصطلحات المستوردة، تطفو على السطح كلمة «بروتوكول»، فيراها البعض ضرباً من التكلف وعلامة قد تشير إلى التكبر أو الترفع، أو وسيلة للتفريق الطبقي بين الناس.
ولكن، لو عدنا ببوصلة الذاكرة إلى جذور الحضارة الاسلامية، لوجدنا أن هذا المفهوم - في جوهره النقي - هو فن العيش المهذب، وهو التنظيم الجميل للحياة الذي لم تكن الحضارة العربية لتعرف غيره.
كلمة «بروتوكول» في أصلها اللغوي تعود إلى الكلمة اليونانية «بروتوكولون» التي تشير إلى الورقة الأولى الملصقة على المخطوطة والتي تحوي بياناتها الأساسية. ثم تطور المفهوم في السياق الدبلوماسي ليعني قواعد السلوك والإجراءات والأخلاقيات التي تنظم العلاقات الرسمية بين الدول والشخصيات. وهو في جوهره ترجمة عملية للاحترام المتبادل - احترام الوقت، والمكان، والرتبة، والمناسبة. إنه نظام يضمن سلاسة التواصل ويمنع سوء الفهم.
أما «الإتيكيت» فهو الابن الروحي للبروتوكول، أو يمكن وصفه بأنه البروتوكول في تجلياته الاجتماعية والإنسانية اليومية.
وكلمة اتيكيت فرنسية الأصل، كانت تشير إلى البطاقات الصغيرة التي تكتب عليها تعليمات السلوك في بلاط الملك. والإتيكيت ليس -كما يُصور أحياناً- تكلّفاً مصطنعاً، بل هو فن التعامل بلطف وذوق واحترام في المواقف المختلفة: كيف تأكل، كيف تتحدث، كيف تستمع، كيف ترتدي ملابسك بما يتناسب مع المقام. هو المرونة التي تكسر جمود البروتوكول وتضفي على قواعده روحاً من اللطافة والإنسانية.
البروتوكول هو الهيكل التنظيمي، بينما الإتيكيت هو الروح والأداء الجميل داخل هذا الهيكل. البروتوكول يخبرك بترتيب الجلوس في المناسبة الرسمية، والإتيكيت هو كيف تتصرف بلباقة مع من يجلس بجوارك. كلاهما يسعى لتحقيق غاية واحدة: تنظيم الحياة لتكون أكثر جمالاً واحتراماً وسلاسة.
من يقرأ التاريخ الاجتماعي للدولة الإسلامية في أوجها في الشرق، يلمس أن «منطلق الحضارة» لم يكن في القصور والزخارف فحسب، بل في الملبس، وآداب الكلام، والتعامل بين الناس. كانت هناك «هندسة خفية» تنظم هذه العلاقات، نابعة من النبض العربي الإسلامي الذي يعلي من شرف الكلمة، وحرمة الجار، وبر الوالدين، واللطف بالصغار. ومن يطل على الحضارة الأموية في الأندلس، يدرك أن ذلك «الذوق» الرفيع في تنسيق الحدائق، وترتيب الموائد، وحسن الاستقبال، وتناغم العمارة، لم يكن إلا انعكاساً لروح الإسلام الذي يدعو إلى النظام والجمال. فالله -سبحانه وتعالى- «جميل يحب الجمال»، وهذه ليست مجرد عبارة، بل هي فلسفة حياة.
ويخطئ من يظن أن البروتوكول والإتيكيت ضرب من التكلف المصطنع المرتبط بالمستوى المادي أو الاجتماعي. هما في الحقيقة أبعد ما يكون عن هذا. هما ببساطة: فن تنظيم السلوك والإحساس بالآخر. هو أن تعرف كيف تتعاطى وقت الطعام، فتحسن الجلسة وتلطف الحديث. هو أن تحترم مقام الزمان والمكان، فتعطي كل مناسبة حقها دون إفراط أو تفريط. هو أن تنظم علاقاتك الأسرية والاجتماعية على أساس من الاحترام المتبادل واللطف. كل هذا ليس ترفاً، بل هو «تنظيم للحياة» يجعلها أكثر سلاسة وبهجة.
ولعل الأجمل في هذه القصة أن هذا «الذوق المنظم» لم يبق حبيساً في جغرافيتنا، بل انتقل بجماله ليؤثر في العالم. فمن خلال بوابة الأندلس وصقلية والحروب الصليبية، احتكَّ الغرب بالحضارة العربية الإسلامية، فانبهر بنظامها وأناقتها. ما كان يسمى عندنا «آداب الطعام» - مثل غسل اليدين قبل الأكل، واستخدام المائدة بشكل منظم، وترتيب الصحون، وفنون تقديم الضيافة - تحول إلى تقاليد في البلاطات الأوروبية. بل إن العديد من قواعد «الإتيكيت» التي يتغنى بها الغرب اليوم، من آداب المقابلات والمراسلات والاستقبال، لها جذور عميقة في التقاليد الدبلوماسية والاجتماعية ذات الجذور العربية التي طورها المسلمون في بلاد الشام والعراق و في الأندلس.
لقد تم استيراد هذا «البروتوكول» الأنيق، وتطويعه، حتى أصبح تقليداً عالمياً نعتقد أنه غربي المنشأ، بينما هو في الحقيقة عربي الإلهام، إسلامي الروح.
ولو تأملنا في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأحاديثه، لوجدناها مفعمة بأعلى درجات «البروتوكول» و»الإتيكيت» الإنساني: «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث.»، «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم.» النظافة جزء من الإيمان، إماطة الأذى عن الطريق صدقة، تقديم الكبير، والرحمة بالصغير. هذه كلها ليست مجرد تعليمات أخلاقية، بل هي «بروتوكولات» للتعامل تحفظ للعلاقات بهاءها، وللقلوب طهارتها.
إذن، ليس «البروتوكول» و»الإتيكيت» الحديثان اللذان نراهما الآن إلا صورة مقلدة لفنون الذوق والتنظيم التي عرفها المسلمون. إنهما الورقة التي اقتطفها الغربيون من شجرة حضارتنا الوارفة ثم حاولوا تطعيمها في تربة أخرى.
وهذا للعلم لمن لم يعلم.