د. منى بنت علي الحمود
يمثل البحث عن المعنى مفهوما من أعمق المفاهيم الفلسفية التي تلامس جوهر الوجود الإنساني، عندما لا تُقاس جودة الحياة الإنسانية بالمقاييس المادية فحسب بل تمتد إلى أبعد من ذلك متمثلة بالرضا والحرية والسعادة والقيم الأخلاقية والأهداف السامية. إن المعنى لا يُعطى بل يُخلق، من خلال الإرادة والإبداع بحسب «نيتشه». فحتى في الألم أو الفقر أو المرض، قد تكون الحياة ذات جودة إذا كانت ذات معنى، وبالمقابل قد تكون الرفاهية لا قيمة لها بانعدام المعنى.
«الرياضة: رحلة المنافسة نحو المعنى» كان عنوان لمحاضرة قدمها أستاذ الفلسفة من دولة الكويت الأستاذ: محسن أشكنوني. ضمن أحد برامج أكاديمية فنسفة الثقافية غير الربحية. عندما تتجاوز فكرة الرياضة من كونها لعبة أساسها الربح والخسارة إلى رحلة تستثمر المنافسة كمنصة للتربية العقلية والجسدية على المعنى. فتتحول من مجرد سعي للفوز أو اللياقة، إلى نموذج للتعبير عن الذات والأخرية ولقاء مع الوجود لتحقيق غايات الجسد والروح، ويكفي من الرياضة أنها نسبت الروح إليها والتي طالما مثلت إشكالية علمية ودينية وفلسفية. يعد النشاط الرياضي مظهرا من تمظهرات الحياة الفضلى، إذ يسمو بالنفس ويدربها على التوازن وضبط نزعاتها، وهو نموذج أيضا للقوة والإرادة والمسؤولية، وقد شجع العديد من الفلاسفة على ممارسة الرياضة، بل مارسها بعضهم فعليا وبحسب الفيلسوف «ألبر كامو» والذي كان حارس مرمى في فريق كرة القدم بجامعة الجزائر،
«كل ما أعرفه عن الأخلاق والواجب تعلمته من كرة القدم».
شكلت هذه المحاضرة منعطفا مهما نحو إعادة النظرة للنشاط الرياضي وما المعنى الذي يمكن أن تضيفه الرياضة إلى حياتنا؟
ما القيمة التي تمنحها المنافسة للرياضة وعلى جودة حياتنا أيضا؟ وهل المنافسة أخلاقية؟
ما الذي يجعل نشاطا بدنيا يسمى رياضة دون عن غيره؟ وما القضايا القيمية التي قد تقف خلف اسم الرياضة؟ هل للرياضة دور في رسم ملامح هويتنا أم أنها أسلوب لإظهار تلك الهوية؟ هل هناك أبعاد سياسية تكمن خلف الرياضة؟ بل هل يمكن للرياضة أن تكون أداة للتأثير السياسي والاجتماعي؟
كل هذه التساؤلات وغيرها تحيلنا بلا شك إلى عمق الرياضة وإرهاصاتها التاريخية والفلسفية التي تعكس المزيد من العمق والتعقيدات في الحياة الإنسانية. الرياضة محبوبة الجماهير ورمز للشعوب هي ليست مجرد نشاط بدني، بل تجربة فلسفية دائما ما تذكر الإنسان بأنه كائن يسعى لا ليهزم غيره إنما ليكتشف نفسه ويحتك بوجوده فهي نموذج للحياة، للبداية والنهاية والزمان والمكان والتأمل في المعنى الحقيقي للتوحد بين الجسد والعقل والروح.