فائز بن سلمان الحمدي
لم يورثنا الآباء ثراء المال، ولا زخارف الدور، ولكنهم أورثونا مجدًا من معدن لا يصدأ، وعزًا لا يذبل، وإيمانًا بالوطن يعلو على كل مظاهر الدنيا وزخرفها.
علمونا - دون أن يقرؤوا كتابًا أو يكتبوا خطبةً ـ أن حب الوطن عبادة يتقرب بها إلى الله، وأن الانتماء إلى الأرض الطيبة من شكر النعمة، وأن الوفاء للقيادة الصالحة صون للأمن، ووفاء للعهد، وقيام بالواجب.
كانوا يحدثوننا بصمتهم أكثر مما يحدثوننا بكلامهم، وتفيض دروسهم من ملامحهم أكثر مما تفيض من ألسنتهم.
ترى الأب يسعى في حر الشمس كأنما يسير إلى جهاد مقدس، يجالد العوز والكدر ليحفظ لأبنائه عيشًا كريمًا لا منة فيه ولا مذلة.
فإذا جلس آخر النهار، وضع كفه على جبينه، يبسط الحمد لله، ثم يرفع بصره نحو الأفق كأنه يسلم للوطن دعاءً صامتًا لا يسمعه أحد سواه.
وفي الجهة الأخرى، هناك امرأة عظيمة هي الأم، مدرسة الأجيال ومصدر الشرف، تصنع الرجال في صمت مهيب لا يعرف التذمر. بدموعها الطاهرة تطهر القلوب، وبصبرها تقيم أعمدة الوطن في نفوس الصغار.
كانت تعلمهم أن الوطن ليس حيطانًا تشيد، بل أمانة تحمل، وأن من خان صغيرةً في بيته خان كبيرةً في وطنه، وأن الدعاء لولاة الأمر شكر للنعمة، ومن لم يشكر الله على أمنه فقد كفر بالخيرات.
لقد عاشت تلك الأجيال الأولى في فقر كريم مملوء بالعزة، وفي شظف يقطر كرامةً وضياءً.
لم يكن في بيوتهم من المظاهر ما يبهر العيون، ولكن في قلوبهم من الإيمان ما يضيء الدروب. أقاموا وطنهم لا على الإسمنت، بل على الخلق، وبنوا مجده لا على التكلف، بل على الإخلاص.
كانوا يصلون في الغداة صلاة الشكر على الأمن، ويربون أبناءهم على أن الوطن لا يصان بالهتاف، بل بالعمل الصالح والطاعة والعدل.
هكذا، حين كان الأب يوصي ابنه بحفظ المال العام كحفظ مال اليتيم، وحين كانت الأم تزجر صغيرها إن رمى ورقةً في الطريق، كانا يخطان أول دستور للوطنية الصادقة.
ومن تلك المواقف الصغيرة التي لا تلتفت إليها العيون، انبثقت عظمة هذه البلاد، واشتد عودها، وترسخ أمنها، وصار الولاء فيها سجيةً لا مجاملة، ودينًا لا سياسة.
الوطن -كما علمونا- ليس خريطةً تحددها الحدود، بل حالة انتماء تحددها القلوب. هو ذاكرة الأجداد، وسمة الأجيال، وسارية الدين التي تظلل الكل بالطمأنينة. من حبس في نفسه الإخلاص للأرض التي نشأ عليها، حبس عنها البركة، ومن أطلق الولاء في قلبه امتدت له السماء بالعون.
ولذلك كانت الأسرة هي النواة الأولى للأوطان: فيها يزرع الوفاء، ومنها يتشعب الإيمان، وعلى صعيدها يبنى الإنسان الذي يقيم مجد الأمة.
كم من أم صالحة رفعت يديها في جوف الليل تقول: «اللهم احفظ بلادنا وولاة أمرنا، واجعل هذا الوطن آمنًا مطمئنًا.»
تلك الدعوات التي خرجت من أفواه الأمهات أشد ثباتًا من السيوف، وأقوى حراسةً من الجيوش.
وكم من أب سجد قبل صلاة الفجر، فدعا لوطنه دعاءً تخلدت آثاره في الأمن والرخاء. لم يكونوا خطباء ولا ساسة، ولكنهم كانوا حراس المعنى، وصناع الفجر.
لقد خُلق الوطن من صبرهم، ونما من دموعهم، وارتفع بصدقهم، حتى صار اليوم ما نراه من عزة وشموخ وتوحيد خفاق فوق السارية.
فكل بيت دعا، وكل يد عملت، وكل أم صبرت، وكل أب غرس في ولده حب الدين والملك، إنما أسهم في بناء هذه القلعة المنيعة التي تتفيأ ظلال الأمن، وتشمخ براية التوحيد. وإني لأرى اليوم أن الوفاء لأولئك الآباء والأمهات لا يكون بذكرهم فحسب، بل بأن نحمل عنهم الأمانة، ونغرس في أبنائنا ما غرسوه فينا؛ أن نعلمهم أن حب الوطن ليس لافتةً ترفرف على المناسبات، بل عهد يكتب في السرائر، وأن الدعاء للقيادة ليس تكرارًا في خطبة، بل عبادة ترفع بها الأيدي إلى السماء؛ أن نورث أبناءنا الوطن لا بخرائطه، بل بمعانيه، فلا يجهل أحد أن النعمة لا تدوم إلا بالشكر، وأن الشكر لا يتحقق إلا بالطاعة، وأن الطاعة لا تصدق إلا إذا كانت نابعةً من قلب مخلص يحب الله، ثم يحب من يقيم شرعه ويصون أمن عباده.
يا وطن الكرامة والنور، يا ميدان المجد الذي لا ينام، إن أبناءك الذين تربوا في أحضان أمهاتهم على الصدق والحياء وحب الأرض الطاهرة التي تمشي عليها أقدامهم، سيبقون حراس مجدك إلى يوم الدين.
وإن أسرهم التي ما زالت تدعو لك في الغدو والآصال هي المعين الذي لا ينضب، والسور الذي لا يخترق، والرحم الذي يولد فيه المستقبل الوضيء.
فطوبى لكل أسرة عرفت أن رسالتها لا تنتهي عند حدود بيتها، بل تمتد إلى حدود الوطن كله، وطوبى لكل أب ربى، ولكل أم دعت، ولكل بيت جعل حب الله والقيادة والوطن سلمًا واحدًا يرتقي به إلى العزة والرضوان.
فبهذا، وبهذا وحده، تُصان الدول، وتستمر النعم، ويُكتب المجد في جبين الأرض كما كتب في قلوب أبنائها المخلصين.