بدر سعد الزير
يبدو أن عصرنا قرر أن يمنح (الحديث) مكانةً تفوق (الفكر)، وأن يجعل من الميكروفون بوابة الشهرة الأسرع، حتى لو لم يكن خلفه ما يُقال.
فما أكثر البودكاستات هذه الأيام، وما أقل ما يُقال فيها نفعاً!، فكل يوم نصحو على بودكاست جديد، وصوت جديد، وربما ثرثرة جديدة، حتى باتت المنصات تئنّ من هذا الطوفان الصوتي الذي لا تحكمه سمات ولا ضوابط أدبية أو فنية على الأقل.
فقد كانت فكرة البودكاست يومًا ما مبادرة راقية، ومساحة للنقاش، وتبادل للخبرات، ونافذة للفكر العميق، ولكن يبدو أن الفكرة الجميلة سقطت في فخ (الموضة).
فما إن أصبح المايك متاحًا للجميع حتى قرر (كل من هبّ ودبّ) أن يكون (مقدّم بودكاست)، دون إعداد مهني أو فكري، ودون خلفية، وبعض منه دون أدنى مسؤولية تجاه الكلمة أو المستمع.
يكفي اليوم أن يشتري أحدهم ميكروفونا أنيقا ومؤثرات صوتية ذكية، ويضع خلفه نبتة صناعية، ويُطلق ابتسامة مصطنعة أمام الكاميرا ليعلن عن برنامجه الجديد الذي في الغالب لا يحمل من (المحتوى) إلا الاسم؟!
وقد كل شيء أصبح جاهزًا، السؤال الساذج، الضيف العابر، الضحكة المصطنعة، والمقدمة المكررة.
نعم مختلفة ولكنها كالعادة لا تختلف في شيء، المؤسف أن ما كان يومًا (منبرًا للنقاش الجاد) صار اليوم (مسرحًا للسطحية والادعاء)، تحوّل البودكاست من وسيلة لنشر الفكر إلى وسيلة لترويج الذات. وأصبح كثير من مقدّميه، يتحدثون ولا ليُفيدوا، بل ليُشاهدوا، والنتيجة: ضجيجٌ متواصل من أصواتٍ تملأ الفضاء الرقمي، لكنها فارغة من المعنى.
بل إن تحويل البودكاست من مسموع إلى (مرئي) لم يُضف قيمة، وقد زاد الطين بلّة، فالمضمون الخفيف صار الآن، يُقدّم بإضاءة سينمائية ومؤثرات، وكأننا أمام إنتاج درامي ضخم، بينما الحقيقة أننا أمام محتوى لا يتجاوز دردشة مقهى بثلاث كاميرات وفلتر ناعم وتعابير وجه مصطنعة.
لقد أصبحنا أمام جيلٍ إعلامي ناشئ من (البودكاستيين) الذين لا يعرفون من الإعلام إلا ديكورات الاستوديو، فيتحدثون عن كل شيء، ويفتون في كل مجال، من الاقتصاد، إلى الرياضة والسياسة والعلاقات، ومن الفلسفة إلى التنمية الذاتية، بنفس الثقة التي يتحدث بها الطبيب عن دوائه، والنتيجة كلام كثير... بلا فائدة تُذكر.
قد يبدو الأمر مضحكًا في بدايته، لكنه في حقيقته مقلق، فهذا السيل من (المحتوى الفارغ) يُميت الذائقة العامة ويسطحها، ويُربك مفهوم الحوار، ويُقنع الجيل الجديد أن الظهور أهم من المضمون، وأن الشهرة لا تحتاج فكرًا، بل فقط زاوية تصوير جيدة.
في النهاية، البودكاست الحقيقي لا يُقاس بعدد المتابعين، ولا بجودة الكاميرا، بل، بعمق الفكرة وصدق الرسالة.
أما من اتخذ المايك وسيلة للتسلية أو الشهرة، فليعلم أن الصوت الإعلامي بلا فكر، مهما علا، يبقى ضجيجًا لا أكثر.
** **
- فنان تشكيلي ومخرج صحفي