مرفت بخاري
لم يكن العتاب حلاً كما يعتقد البعض بأنه صابون المحبة، بل هو عبءٌ يشعر به من أردت أن تخبره كيف هُنت عليه.
عندما نهون، ونتعامل بأهواء الآخرين، ونعيش في صراعٍ نفسي ما بين صدمة وكسر، تأكدوا وقتها بأنه تم تبديل مواقعنا في قلوبهم بنجاح.
فالقلوب لا تُهمل فجأة، والاهتمام لا يتبخر دون إشارات سابقة، لكنها إشارات لا نراها إلا بعد فوات الأوان.
حين يتغير الصوت، وتصبح التفاصيل عبئًا، ويغدو الوصل ثقيلاً، يبدأ العتاب.. لا لإنقاذ العلاقة، بل لاكتشاف مرّ الحقيقة. فمن يتربص الزلة، لا شك أنه بدأ يرى لحياته مسيرة لا تشبهك، ووجد فيك ثغرات لا يمكنه أن يتخطاها.
قد تكون الأفضل في توصيل مشاعرك، والأصدق في النوايا، والأجمل في العطاء، فكان حسنك كاشفًا لعيوبهم مخيبًا لآمالهم.
الحب لا يُقاس بمدى صبرك على التغيّر، بل بصدق الشغف حين لا يُطلب، وبقيمة الحضور دون مناسبة.
يُقاس الحب بنبضٍ صادق لا يهدأ له بال حين يراك في كرب، حين يشعر بقلة حيلتك، حين يبحث لك عن الحلول، وحين لا يرى ليومه اكتمالاً إلا بوجودك.
يُقاس بكلمة يجبر بها خاطرك، ويسرّ بها ناظرك، ويعيد البسمة لمحيَّاك، فقط لأنه يرى فيك سعادته المطلقة.
والصادق دائمًا حين يعتب، لا يطلب شيئًا... هو فقط يلوِّح بنبضات قلبه الأخيرة، قبل أن يختار الصمت، ويغادر بلا عودة.
فمن يظن أن العتاب دليلٌ للحب، أخبروه أن المحب لا يسخى بمحبوبه، ولا يتآمر عليه ليختبر صدقه.
ولا يراه ناقصًا ليكمله، ولا يضعه تحت المجهر ليتغزَّل بعيوبه.
صاحب القلب الصادق يترفَّع عن تصغير وتهميش من يحب، ليثبت صحة مواقفه. وشتَّان بين من يداوي جراحك ومن يكشفها للآخرين، وشتَّان بين من يقدِّم لك الحياة ومن يسلبها منك، وشتَّان بين من يراك النور، ومن يساهم في إطفائك.
أعرف متى تترك مكانك.. فبعض الرحيل كرامة، وبعض الصمت شفاء، وبعض التراجع بداية حياة.
ومن يعزُّ نفسه... يجدها، وإن كانت الحياة بوجودهم سلسلة من القهر والحسرة، فاعتزالهم ربح، وخسارتهم غنيمة.
فقط تذكّر:
بأن عوض الله دائمًا وأبدًا يلاحق الصابرين، ولن يتركنا للظالمين يعيثون بنا فسادًا.