إبراهيم بن يوسف المالك
في أزمنة التحولات الكبرى وحالات عدم اليقين، يُختبر القادة بأصعب ما قد يواجهونه في مسيرتهم. فالقائد في مثل هذه اللحظات لا يملك رفاهية الانتظار حتى تتضح الصورة بالكامل، بل عليه أن يخلق وضوحًا من بين الضباب، وأن يقود الآخرين بخطوات واثقة حتى في أكثر الطرق غموضًا. السر لا يكمن في اتخاذ قرار كامل ونهائي، بل في القدرة على المضي بقرار فعّال، يتوازن فيه الثبات مع المرونة.
القائد الفعّال يستحضر دائمًا الرؤية الكبرى والقيم الجوهرية لتكون بوصلة له في مواجهة الاضطراب. فالرؤية الواضحة هي الثابت وسط المتغيرات، والقيم الصلبة هي المرجع عند مفترق الطرق. ومع ذلك، فإن الاكتفاء بالنظر إلى الغاية لا يكفي، بل لا بد من امتلاك عقلية التجريب والمرونة، حيث تأتي القرارات صغيرة وسريعة وقابلة للتصحيح بدلًا من قرار ضخم لا رجعة فيه. وهنا يبرز دور البيانات كأداة تقلل من المخاطر وتكشف الأنماط، لكنها لا تكون دائمًا مكتملة، فيأتي الحدس المبني على الخبرة ليكمل المشهد ويمنح القرار طابعًا أكثر نضجًا وعمقًا.
ولا يكتمل المشهد دون التفكير بعدة سيناريوهات محتملة، فالحكمة لا تقوم على رهان واحد، بل على الاستعداد لطرق مختلفة قد يفرضها المستقبل. ولأن القيادة ليست فعلًا فرديًا، فإن القائد الحقيقي يُشرك فريقه، يستمع، ويستفيد من العقول المتنوعة، ليصنع قرارًا جماعيًا أكثر قوة والتزامًا. وبعد ذلك، لا بد من التواصل الواضح والمستمر مع الجميع، فحتى القرارات السليمة قد تفشل إذا لم تُشرح أسبابها وخلفياتها، بينما الشفافية تبني الثقة حتى في ظل الغموض.
في النهاية، القيادة خلال عدم اليقين ليست سعيًا لإلغاء المخاطر، بل هي فن إدارتها بذكاء. هي الموازنة بين الجرأة والحذر، بين الثبات والمرونة، وبين الرؤية والواقع. وهكذا يصنع القادة الكبار من العواصف فرصًا، ويقودون منظماتهم إلى الأمام بثقة، ليتركوا بصمة لا تُنسى في أصعب الأوقات.