عبدالعزيز بن عليان العنيزان
إن مصطلح منطقة الهادئ - الهندي يعتبر من المصطلحات الحديثة في الجغرافيا السياسية لأنه من المعهود في السابق أن يشار إلى كل محيط بشكل منفصل، كون مساحتيهما شاسعة جدا لامتدادهما من الشواطىء الشرقية لقارة أفريقيا ولغاية الساحل الغربي للأمريكتين.
غير أنه بسبب التطورات المستمرة في الشؤون الدولية وتنامي التنافس الجيوسياسي بين القوى الإقليمية والدولية في هذين المحيطين باعتبارهما مسارين رئيسيين لخطوط ملاحة التجارة الدولية فقد بدأت المنشورات الغربية في ذات الخصوص تدمجهما في عبارة واحدة كدلالة على أن المنافسة الدولية في كلا المحيطين مرتبطة ببعضهما البعض.
بينما نستفيض هنا بالمنافسة بين الولايات المتحدة والصين في منطقة الهادئ - الهندي اللتين تحاولان السيطرة على أكبر قدر من الممرات المائية الاستراتيجية بها، وكما يتم التنافس الجيوسياسي على الموارد والنفوذ عبر تعزيز التواجد العسكري في مواقع جغرافية حساسة وبناء القواعد العسكرية وإجراء التمرينات العسكرية المشتركة مع الحلفاء الإقليميين سنويا. فإن واشنطن تقوم بتمارين وعمليات عسكرية مشتركة في دول عديدة مثل الفلبين واليابان وكوريا الجنوبية وماليزيا وجيبوتي وأستراليا. وتهدف من ذلك بعث رسائل للصين بتواجدها في هذه المنطقة لكبح نفوذها المتنامي.
بالمقابل فإن الجيش الصيني هو الآخر يكثف تواجده في منطقة المحيطين الهادئ والهندي، عبر نشر القوات البحرية في بحر الصين الجنوبي وبحر الصين الشرقي. وكذلك الاستعراضات الدورية لمقدراتها العسكرية المتطورة مثل الترسانة الصاروخية والمدمرات البحرية التي تعد تهديدا لجيرانها حلفاء واشنطن التقليديين. بالإضافة إلى تبينها لاستراتيجية حديثة في تطوير أنظمتها الدفاعية الصاروخية الجوية والبحرية لمنع القوات الأجنبية من الدخول في مياهها الإقليمية.
وبالتالي، فإن منطقة الهادئ - الهندي غنية ببؤر التوترات الجيوسياسية على المستويين الإقليمي والدولي نتاجا لموقعها الجغرافي المتميز والمليء بالمضائق الحيوية المؤمنة لمرور غالبية الإمدادات في حركة التجارة العالمية.
ما جعل بعض الدول الإقليمية تتخذ خطوات لطرح اتفاقيات اقتصادية في تلك المنطقة على سبيل المثال اتفاقية الشراكة الشاملة والتقدمية عبر المحيط الهادىء المعروفة بـCPTPP والتي دخلت حيز النفاذ في نهاية 2018 فقد بدت في ملامحها الأولية بأن أطرافها يصبون إلى مواجهة تنامي النفوذ الاقتصادي الصيني في المنطقة.
وتعد هذه الاتفاقية بديلة عن اتفاق الشراكة العابرة للمحيط الهادئ الذي كانت تدعمه واشنطن لكنه لم يدخل حيز النفاذ بعد إعلان إدارة ترامب الانسحاب منه قبل ثماني سنوات، وإذ إنها ليست عضوا في اتفاقية CPTPP إلا أن معظم بنود الاتفاقية اشتقت من البنود المقترحة من الجانب الأمريكي في الاتفاق السابق الملغى. على الجانب المقابل هناك اتفاقية الشراكة الإقليمية الشاملة وتختصر بـRCEP حيث تعد بأكبر اتفاقية تجارة حرة بالعالم تضم خمس عشرة دولة من بينها الصين. الجدير بالذكر أن الهند انسحبت من المفاوضات الأخيرة قبل إبرام هذه الاتفاقية لوجود بعض التحفظات تجاهها.
ولذا يتضح بأن طبيعة التنافس الدولي في هذه المنطقة الاستراتيجية مبنية على عوامل أمنية وسياسية واقتصادية ما يجعلها نقطة صراع حساسة لتضارب المصالح بها، مع تحقيق واشنطن التقدم النوعي في المنافسة الراهنة بتفوّقها عبر الأداة العسكرية والانتشار بنطاق أوسع مع حلفائها الإقليميين، والأداة الاقتصادية لعدم فاعلية الاتفاقيات التجارية المتعددة الأطراف بالمنطقة في منع البيت الأبيض من فرض الرسوم الجمركية الأخيرة، ولم يستطع أعضاؤها من التوصل لحل مشترك يواجهون به هذا القرار الأمريكي بشكل جماعي.
بالنهاية مع عودة الاضطرابات إلى جزيرة مدغشقر الغنية بالموارد الطبيعية والمعادن الثمينة، بسبب الانقلاب العسكري الذي أطاح برئيس الجمهورية يظهر لنا تساؤل مهم: هل سيعود مجددا الدور البارز لروسيا الاتحادية إلى المشهد الجيوسياسي في منطقة الهادئ - الهندي وتحتدم المنافسة القائمة بين قوى دولية تسير وراء مصالحها بلا هوادة؟