محمد العشيوي - «الجزيرة»:
على ضفاف بحيرة بوليفارد وورلد، تمتدّ المنطقة اليونانية وتبحر من الضوء وألوانها المتناسقة، تستحضر روح أثينا القديمة في ثوب عصري، وتحول العمارة والموسيقى والطعام إلى تجربة حسية متكاملة، تروي حكاية حضارة وجمالٍ وإنسان، هنا لا يزور الزائر اليونان فحسب، بل يعيشها بكل تفاصيلها، كأن البحر المتوسط قد ألقى بقطعة من جزره البيضاء في قلب «موسم الرياض».
منذ الوهلة الأولى، يتجلّى الحضور المعماري لليونان في أبنيةٍ ناصعة البياض تتوّجها القباب الزرقاء، بملامح مستوحاة من جزر «سانتوريني وميكونوس»، تلك البيوت الصغيرة المطلة على البحيرة تُعيد صياغة فلسفة الجمال الإغريقية في بساطتها وتناغمها، حيث يجتمع الضوء والماء في لوحة واحدة تعبر عن الصفاء والسلام، التفاصيل الصغيرة من نوافذٍ مقوسة وشرفاتٍ مطلةٍ وأرضيات مرصوفةٍ بالحجر الأبيض تجعل المكان أشبه بصورة تنبض بالحياة.
وفي قلب هذه الصورة يقف المدرج اليوناني كنبض فني يومي، يحتضن العروض الفلكلورية التي تنثر الفرح في الأجواء، وتصدح موسيقى «البزوكّي» وسط تصفيق الجمهور، وتتعانق الرقصات الإغريقية مع ضحكات الزوار في مشهد يذكر بمسارح أثينا القديمة، حيث كان الفن جزءًا من الحياة اليومية، ويجتمع الزائرون من مختلف الثقافات ليشهدوا تمازج الموسيقى والرقص والإيقاع في احتفالٍ بالحياة.
ولا تكتمل الرحلة دون المرور عبر النكهات، حيث تعبق الأجواء برائحة الزيتون والزعتر والخبز الطازج، تقدم المطاعم أطباقًا يونانية أصيلة مثل «الموساكا»و»الجيوروس»و»السلطة اليونانية» بمذاقها المميز، فتتحول التجربة من مشهد بصري إلى رحلةٍ في ذاكرة الطعم والهوية، المذاقات في المنطقة لا تكتفي بالإشباع، بل تفتح باب نحو ثقافة تحتفي بالبساطة والكرم والفرح بالحياة.
المنطقة اليونانية لا تعيش بمعزلٍ عن جيرانها، فهي تقع بين منطقة مصر والمنطقة الإيطالية، في موقعٍ يرسم مشهدًا مدهشًا لتجاور ثلاث حضاراتٍ عريقةٍ على ضفافٍ واحدة، ذلك القرب الجغرافي والرمزي يجسد جوهر «بوليفارد وورلد»، الذي لا يقدم الترفيه كمجرد تجربةٍ عابرة، بل كجسر ثقافي يربط بين الشعوب واللغات والعادات في انسجام واحد.
وهكذا، تبدو المنطقة اليونانية أكثر من مجرد مساحةٍ ترفيهية؛ لتكون مرآة الحضارات وتلاقي الجمال الإنساني، بين بياض الجدران وزرقة القباب وصوت الموج الصامت على البحيرة، ويشعر الزائر أن أثينا قد عادت لتتنفس في «موسم الرياض»، وأن الموسم العالمي قادر على أن يجعل العالم أقرب لا بالمسافات، بل بالمشاعر والجمال.
ويأتي تصميم المكان على أنه ليس انعكاسا لجمال أثينا، بل هو ترجمة فنية لروحها، إذ تحاكي التفاصيل الدقيقة في الجدران والأزقة، فلسفة الجمال البسيط الذي يؤمن بأن المتعة تكمن في التفاصيل الصغيرة، لضفاف البحيرة، ويتماهى الأبيض مع الأزرق ليصنع لوحة بصرية تبعث الطمأنينة في النفس وتؤكد أن الجمال يمكن أن يكون حالة إنسانية قبل أن يكون مشهدًا بصريًا، وأجمل ما تنفرد به المنطقة اليونانية كونها محطة عبور للتفريك الذي يربط بين منطقة بوليفارلد ورلد، وبوليفارد رياض سيتي.