د. جوليا فؤاد السيد هارون
في جلسة عائلية، أو اجتماع عمل، أو حتى في حديث عابر بين صديقين، تتكرر الظاهرة نفسها: أحدهم يتحدث، والآخر لا يُنصت فعلًا، بل ينتظر بصبرٍ نافد أن ينتهي المتكلم، لا ليُبدي فهمًا أو تفاعلًا، بل ليأخذ هو الدور في الحديث، وكأن الاستماع لم يعد غايةً للفهم، بل مجرّد محطة مؤقتة قبل أن نبدأ نحن بالكلام.
فهل نحن حقًا مجتمع يُحسن الإصغاء؟ أم أننا - في معظم الأحيان - لا نفعل سوى الانتظار من أجل التعبير عن آرائنا؟
الإنصات.. مهارة مفقودة
رغم بساطته الظاهرة، فإن الاستماع الحقيقي مهارة نادرة. لا يتقنها كثيرون، فنحن نعيش في بيئة يعلو فيها صوت من يتحدث أكثر، ويُظَن أن من يصمت خاسر أو ضعيف، وبين ضجيج الرأي، وتسرّع الرد، يغيب الاستماع بوصفه سلوكًا راقيًا وناضجًا.
كثيرًا ما يتحوّل الحوار إلى ساحة مبارزة لفظية، لا إلى مساحة للفهم المشترك.
نُقاطع، نُهاجم، نُعلّق، لكن نادرًا ما نُصغي لنفهم، أو لنرى الصورة من زاوية مختلفة.
لماذا لا نستمع؟
قد تكون الأسباب متعددة. منها شعورنا بأن ما لدينا أهم مما يُقال، أو خوفنا من أن نتأثر بآراء تخالف قناعاتنا، أو حتى عدم تعوّدنا منذ الطفولة على أن الإنصات فضيلة لا ضعف.
في كثير من الأحيان، نمارس ما يمكن تسميته «الاستماع الظاهري»؛ أي أننا نبدو منصتين، لكن أذهاننا مشغولة بإعداد الرد، أو بالتخطيط لكيفية استعادة الحديث لصالحنا. وكأن الحوار سباق، لا تبادل.
ثقافة الحوار... أم ثقافة الجدل؟
في المجتمعات التي تُقدّر الحوار، يكون الاستماع أساسًا للفهم، والاختلاف لا يُفسد الود، بل يُثريه. أما في المجتمعات التي تفتقر إلى ثقافة الإصغاء، يصبح النقاش نوعًا من المبارزة، يسعى فيه كل طرف إلى إثبات أنه الأصح، لا إلى البحث عن الحقيقة.
فإذا أردنا أن نعيش في بيئة إنسانية راقية، فعلينا أن نُعيد الاعتبار لفن الإصغاء.
أن نعلّم أبناءنا أن التحدث مهم، لكن الاستماع أعمق، أن نصمت لنفهم، لا لنتظاهر بالصبر.
أن نمنح الآخر فرصة كاملة ليُعبّر عن نفسه دون خوف من المقاطعة أو السخرية.
في الختام
قد يبدو السؤال بسيطًا: هل نحن مجتمع يُصغي فعلًا؟ لكن إجابته تكشف الكثير من ملامحنا الثقافية والاجتماعية.
أن تستمع يعني أن تحترم، أن تفتح قلبك قبل أذنك، وأن تؤمن أن الآخر يستحق أن يُسمَع كما تستحق أنت.
في عالم امتلأ بالضجيج، والردود السريعة، والانفعالات المتتالية… صار الاستماع الحقيقي عملًا نادرًا، بل فضيلة تستحق أن نُعيد تعلمها، ونمارسها عن وعي.