السموأل محمد إبراهيم
في أعماق الصحراء، حيث كانت الرمال تنساب كأسرار الزمن تحت خطى القوافل، وحيث كانت الرياح تهمس بأغاني التيه إلى النجوم، تقوم المملكة العربية السعودية من الاتكاء على النفط لا كدولة تنهض، بل كأسطورة تبعث، كطائر عنقاء يحلق نحو شمس لم تعد تحرق، بل تحيي.
إن الشمس التي كانت يوما مجرد قرصٍ متوهجٍ في كبد السماء، أصبحت اليوم في وجدان المملكة وطنا بديلا، تستولد منه الحياة، وتبنى عليه اقتصادات الغد. من دفئها تستخرج معادلات النمو النظيف، ومن نورها يصاغ عقد جديد مع الطبيعة، عقد تكتبه السعودية بقلم أخضر، وبعقل يدرك أن التنمية الحقيقية لا تقام على حساب البيئة، بل تسير معها جنبا إلى جنب، رفيقتين في درب النهضة، لا خصمين في صراع المصالح.
لقد أعادت المملكة تعريف العلاقة مع الشمس، لا كعنصر قاس في صيف لاهب، بل كرمزٍ للخصب، وكمصدرٍ للنور الذي يضيء سبل السيادة البيئية. تلك الشمس التي طالما ارتبطت بالقيظ، صارت الآن صديقة للإنسان، وشريكة له في بناء مستقبله، وهويته الجديدة.
وقد صدق الشاعر السعودي حين قال، في واحدة من أبلغ قصائد الوفاء والانتماء : (لا يا بعد لندن وباريس وجنيف ما هيب تسوى ذرة من ترابك، حنا نحبك حب في كنة الصيف وشلون لا حول علينا سحابك)، بيتان يختزلان الانتماء في ذروته، ويحولان الشمس اللاهبة إلى رمز للعشق، لا للضيق. وها هي المملكة، بذات الروح، تحول حرارتها إلى طاقة، وضوءها إلى حياة، وصحراءها إلى منجم من الإمكانات الخضراء.
ما عادت المملكة العربية السعودية ذلك العملاق المستلقي على بحر ساكن من الذهب الأسود، بل أفاقت ككائنٍ نهض من تحت كثافة التاريخ، يحدق في الأفق بعين واعية، وعقل يقرأ ما وراء الموارد، ويدرك أن السيادة لا تبنى على ما في باطن الأرض وحده، بل على ما تزرعه الأمم من رؤى في عليائها.
في حضن «رؤية السعودية 2030»، لم تولد مشاريع طاقة فحسب، بل ولدت فلسفة وطن، فلسفة تعيد تعريف الطاقة لا كمصدر مادي، بل كعلاقة أخلاقية بين الإنسان ومحيطه؛ علاقة تستمد نورها من الشمس، لا من دخان المحروقات، وتراهن على العقل قبل الوقود، وعلى الديمومة قبل الوفرة. ثم جاءت نيوم.. لا مدينة تشيد، بل قصيدة تكتب فوق تراب بكر. مدينة تسير على خطى الحلم، وتصغي لصوت الطبيعة لا لصدى الآلات. بين صمت الرمال وهمس النجوم، تقف نيوم كأول مدينة لا تلوث الهواء، بل تهدهده. تدار بخوارزميات الذكاء، وتتنفس من رئة الطاقة النظيفة، وتعلن للعالم أن التطور لا يعني التشوه، وأن التقدم لا يقاس بعدد المصانع، بل بقدرة المدن على أن تعيش في سلام مع الأرض التي تحملها.
لم تعد الطاقة النظيفة مجرد رفاهية أو تجربة دولية تحتفى بها، بل تحولت إلى واجب أخلاقي لا يحتمل التأجيل، ومصير وجودي حتمي لا مفر منه. المملكة العربية السعودية، بحكمة قيادتها ورؤيتها الثاقبة، لم تنتظر أزمات الغد لتبدأ خطواتها، بل سبقت العالم بخطى ثابتة وواثقة، واضعة الشمس نصب عينيها، والرياح بين كفيها، لتحول ما كان مصدر حرارة وضياع إلى نبض حياة وتجديد.
هل تأملت يوما مشروع سكاكا للطاقة الشمسية؟ إنه ليس مجرد صفوف من الألواح تتلألأ في صحراء الجوف، بل هو توقيع مملكة تكتب عهدا جديدا مع المستقبل؛ عهد يتماهى فيه الاقتصاد مع البيئة، والتنمية مع الاحترام العميق للطبيعة. مشروع يعلن للعالم أن التقدم لا يبنى على اغتصاب الأرض، بل على تناغمها، وأن الاستدامة ليست خيارا، بل الطريق الذي يختاره القادرون على بناء حضارة خالدة.
ما تشهده المملكة اليوم ليس مجرد تحول في مصادر الطاقة، بل هو انقلاب في وعي الهوية الوطنية، وتحول حضاري يعيد تعريف الذات السعودية في مرآة العالم. فالسعودية التي لطالما عرفت كقلب نابض للنفط، تنتقل الآن من رمز للثراء الأحفوري إلى أنشودة للطاقة النظيفة، ومن مورد للوقود إلى منبعٍ للفكر البيئي المتجدد.
في مبادرة السعودية الخضراء، لا تكتفي المملكة بغرس الأشجار، بل تغرس قيما جديدة في تربة الزمن، وتكتب تعهدا أخلاقيا، لا للحاضر فحسب، بل للأجيال القادمة: أن المملكة لن تكون عبئا على كوكب أنهكته التنمية الجائرة، بل ستصبح شريانا أخضر ينبض بالحياة في جسد هذا العالم المتعب.
هذه المبادرة ليست شعارا أخضر يرفع في المناسبات، بل نفس جديد تتنفسه الأرض من رئة المملكة، وإعلان ناضج بأن القيادة السعودية لم تعد تفكر فقط في الريادة الاقتصادية، بل في ريادة الإنسانية، وفي مسؤولية الأمم الكبرى تجاه الأرض التي تمهل، لكنها لا تنسى.
في عالم يترنح تحت وطأة التغير المناخي، ويئن من ندرة الموارد واحتضار التوازن البيئي، تتقدم المملكة العربية السعودية لا كمن يلاحق ركبا فائتا، بل كمن يرسم خارطة طريق لعالم يتلمس ملامح الغد. لم تكتف السعودية بمقاعد المراقبة في مسرح التحولات الكبرى، بل اعتلت خشبة الفعل، وارتدت عباءة الريادة بوعيٍ أخضر، وبصيرة تدرك أن النور الحقيقي لا ينبعث من لهب يحرق، بل من شعاعٍ يهدي ويحيي.
من أعماق الرمال التي عرفت النفط تاريخا ومصيرا، تولد اليوم شمس جديدة لا تلسع، بل تلهم. شمس تنير عقول الأجيال وتدفئ وجدان العالم، شمس لا يختبئ الإنسان منها، بل يقترب ليستمد منها معنى البقاء الكريم.
إن السعودية الجديدة لا تبني فقط محطات طاقة، بل تبني عهدا أخلاقيا مع الأرض، وتؤسس لاقتصاد لا يأكل مستقبله، بل يزرعه شجرة، ويحرسه فكرة، ويورثه ضوءاً. وهكذا.. تثبت المملكة أن من يتقن لغة الشمس والريح، لا يخشى عليه من عتمة، وأن من يصادق الطبيعة، تصبح له الأرض أما لا عبئا، وموطنا لا ساحة استنزاف.
في مسيرة الطاقة المتجددة، لم تشعل المملكة نارا تتوهج في العتمة، بل رفعت مشعلا من نور خالص، لا يحرق، بل يهدي. فالسعودية، وهي تخطو بثبات على دروب الاستدامة، لم تكتف بإضاءة طريقها، بل تركت أثرا من ضوء نبيل، يسترشد به الآخرون. ومن يزرع النور في دروب البشرية، ينقش اسمه لا على حجارة العصور، بل في ذاكرة الحضارة، حيث لا يذبل المجد، ولا يموت الضياء.