عمرو أبوالعطا
الخطأ يشبه صدى ضحكة في صمت الليل، يطرق أبواب العقل حين لا نتوقعه، يغير مسار الأفكار، يفتح نوافذ لم نرها من قبل. كل الناس تهرب من الخطأ، تحاول إخفاءه، تقول إنه عيب، أنه إخفاق، لكنه في الحقيقة بداية، شرارة. في حياتنا اليومية، في أعمالنا، في كتاباتنا، في رسوماتنا، في اختراعاتنا، يظهر الخطأ حين نبتعد عن الطريق المعتاد، فيكشف عن إمكانات لم نكن نعرفها.
الفن مليء بالخطأ. اللوحة التي يعتبرها النقاد مهتزة، غير دقيقة، غير مكتملة، هي التي تعطي الفنان حريته. المدرسة الانطباعية مثال واضح، لوحة رُفضت يومًا أصبحت معيارًا للجمال لاحقًا. الشعر الحر كذلك، كلمات تسقط على الصفحة بلا قيود، بلا وزن ثابت، لكنها تعبر عن تجربة الإنسان بصدق. في التجربة الفنية، الهفوة تعطي مساحة للنظر بعيون مختلفة، للمشاهدة من زاوية أخرى، للفهم بطريقة جديدة.
الترجمة تحمل خطأ آخر، مختلف عن الفن. المترجم يسقط أحيانًا في كلمة، في عبارة، في معنى، لكن الخطأ هذا يخلق جسورًا بين ثقافات لم تعرف بعضها من قبل. بعض الترجمات الأولى لأعمال كبار الأدباء فقدت دلالات، لكنها صنعت صورة أخرى للنص، تجربة قراءة جديدة، علاقة مختلفة مع القارئ. الهفوة هنا تتحول إلى فرصة، إلى اكتشاف، إلى لحظة تبادل ثقافي جديد.
العلوم كذلك، لا تعرف الطريق المستقيم. التجربة التي تفشل تضع الإنسان أمام مفاجأة، دواء يفشل، تجربة لا تجيب، نتيجة غير متوقعة. هذه الهفوات الصغيرة، الصدف العلمية، تفتح أبوابًا لم يكن أحد يحلم بها، تكشف عن اكتشاف جديد، فهم آخر، طريق لم يكن مرئيًا. كل اكتشاف علمي مهم بدأ من هفوة، من لحظة خطأ، من فهم جزئي، من تصحيح مستمر.
أحيانًا، الإنسان يراقب الحياة من حوله، الناس، الشوارع، حركات اليدين، خطوات القدمين، ضحكات الأطفال، يلاحظ الهفوات الصغيرة، الأخطاء اليومية، يجد فيها معنى للتجربة الإنسانية. الثقافة لا تنمو بالامتثال فقط، تحتاج التجربة، تحتاج الخطأ، تحتاج الانحراف عن المعتاد، تحتاج النظر من زاوية مختلفة. أي حركة غير متوقعة، أي تجربة جديدة، أي كلمة مكتوبة خارج القالب، أي لوحة خارج القاعدة، كل هذه الهفوات تبني عالمًا جديدًا، تخلق معنى جديدًا، تفتح أبوابًا لم تكن موجودة من قبل.
الخطأ يعطي الحرية للفن، وللشعر، وللكلمة، وللتجربة كلها. كل لوحة تحمل هفوة، كل ترجمة تحمل خطأ، كل اكتشاف علمي بدأ من لحظة غير متوقعة. الحياة نفسها سلسلة من الهفوات، كل لحظة غير مكتملة تحمل احتمالًا جديدًا، كل إخفاق يحمل فرصة، كل تجربة فاشلة تولد معنى جديدًا. الإنسان الذي يعرف قيمة الخطأ يرى الأشياء بعمق مختلف، يكتشف الجمال في الهفوات، المعنى في الأخطاء، الفرص في التجارب غير المكتملة. الثقافة تتطور من التجربة، من الانحرافات الدقيقة، من الهفوات التي تظهر فجأة، تزعزع القوالب الجامدة، تعيد ترتيب الأفكار، تعطي الحياة شكلها المختلف.
الحياة نفسها مجموعة هفوات، مجموعة لحظات لم نتوقعها، لحظات تمنحنا الفرصة لنرى العالم بعيون جديدة، لنكتشف معنى الفن، معنى الشعر، معنى الترجمة، معنى العلم، معنى التجربة الإنسانية. كل خطأ يعطي معنى، كل هفوة تفتح أبوابًا، كل إخفاق يولد إحساسًا، كل تجربة غير متوقعة تعلمنا شيئًا لم نكن نحلم به.
الخطأ حياة، وإبداع، ومعرفة، وتجربة، وثقافة، وحرية. الإنسان الذي يعرف قيمة الخطأ يعيش الحياة بوعي أعمق، يرى الفرص في كل شيء، يرى الإمكانات في كل لحظة، يعرف أن كل هفوة تحمل معنى، وكل لحظة إخفاق هي بداية جديدة، كل لحظة غير متوقعة هي دعوة للنظر إلى العالم بعين مختلفة.