علي حسين (السعلي)
ربما أني لم آتِ بشيء جديد البتة حين أتحدثُ عن هذا الذي أتعب الفلاسفة والعلماء والمبدعين في شتّى أصقاع الأرض من عالمنا منذ بدء الخليقة إلى كتابة مقالي هذا، فالكل مشغول بمعرفة كُنْه هذين الحرفين «حب»!.
فدعوني أولاً أبسط الحرف كتابة في استجلاب ما كتبه الآخرون عن هذا الذي يسمّى حُبّ:
نظر الفلاسفة إلى الحب من زوايا مختلفة؛ فاعتبره بعضهم شوقًا إلى الكمال وجمال الروح، بينما رآه آخرون عاطفة قوية تتجاوز العقل وقد تؤدي إلى الجنون، وأشار البعض إلى أن الحب يُسهم في تحقيق السعادة البشرية ويصبح الدافع وراء السعي إلى البقاء، بينما رأى بعض الفلاسفة أن الحبّ تجربة يمكن تفسيرها فلسفياً وهذا المقال يبحث عن ذلك:
الحب كشوق للكمال، فماذا قال أفلاطون: قدم في محاورة «المأدبة» أسطورة البشر الأصليين ذوي الأربع أذرع والأربعة أرجل والوجهين، ثم قسّمهم زيوس إلى نصفين، ومنذ ذلك الحين يبحث كل نصف عن الآخر ليكمل نفسه، وهذا منطقياً أتفق معه، فلا يمكن أن يأتي الحب من طرف واحد بل لابد من شريك يقاسمه كل شيء. كتاب «المأدبة» لأفلاطون قوي في تجسيده، حتى وصف الشاعر والكاتب الفرنسي ميشال ويليبك كتاب المأدبة بأنه كتاب ملعون، لأنه «سمّمَ الإنسانية حين قدّم لها حنيناً إلى الماضي لا يمكن مداواته». في حين يرى أرسطو: «أن الحب الحقيقي هو ما لا ينتهي، ويصفه بأنه شوق لامتناهٍ نحو الخلود، الحب كعاطفة قوية» أنا لا أفضل كلمة الخلود أحب كتابتها البقاء؛ فالصراع ليس للخلود بل كيف أستطيع أن أبقى؟!.
فيما يرى سقراط: «أن الحب هو الدافع وراء كل شيء جميل، وأن الحبّ ينبع من الحرمان، وأن الأشياء القبيحة لا يمكن أن تكون موضوعاً للحب»، وهنا يبرز دور اثنين لا يجتمعان نهائياً الحب والكره، فهو اختلاط مفردتين لا يمكن اقترانهما في سطر واحد بل يعدّ تعدياً على اللغة وفساد المعنى، فالكره قبيح والحب حياة وسعادة وسرور.
نيتشه أتى بثالثة الأثافي كما يقولون حين كتب:
«يحذر من الدخول في الزواج تحت تأثير الحبّ، ويرى أنه من السخافة أن يعد المرءُ الآخر بالحب للأبد». أذكر ذات حين من استضافة نادي الباحة الأدبي للشاعر عيسى جرابا وألقى كلاماً عن الحب صفقنا له كثيراً، فيما بعد الأمسية في جلسة سمر مع عدد من المثقفين وقتها ومحدثكم معهم سألته من هذه التي كتبت كلاماً رقراقاً عنها في نصوصك الشعرية؟ فقال: زوجتي، انتفض صديق كان يجلس بجانبي فقال: لو أعلم أنها في زوجتك ما صفقت لك! فعلى ما يبدو أن نيتشه يرمز لذلك، لا يستقيم الحب مع الزواج بل يعده نوعاً من السخافة وأنا أراه توثيقاً للمودة والمحبة؛ مصداقاً لنص القرآن الكريم، وسكناً للطرفين متى ما بُني بيت الزوجية على عمود المحبة ووتد المودة وخيمة الاحترام.
يشبّه لوكرشس عذاب الحب بعذاب تانتالوس الرجل المحكوم عليه بمشاهدة الماء وهو يتلاشى، فيما يحاول اللحاق بقطرة منه تروي عطشه، ويكتب عن ذلك بطريقة إيحائية: «إنها الحالة الوحيدة التي كلما زادت فيها رغبتنا في امتلاك الآخر، احترقت قلوبنا برغبة مهلكة»، يا الله على الوصف والخيال! الماء يتلاشي وهو يريد اللحاق بقطرة ماء منه فيتلاشى، إذاً هو عذاب الحب. وله مقولة مفادها بأن الابتعاد عن الحب أفضل وأصعب من التخلص منه، ولنا في شعرنا العربي الكثير من الشعر العذري الذي لم يُتوَّج بارتباط زواج، بل آلاف النصوص الشعرية قيلت في الفراق والوقوف على الأطلال بحثاً عن الشريك بين محب وحبيب.
أما الفيلسوف الألماني إيمانيول كانط فقد كان من عجائب الدنيا السبع في نظري، فهو لم تعش معه امرأة في المنزل ولا عشيقة ما من أطفال، ولم يُقم علاقة من أي نوع، حياته كاملة خالية من النساء مكرسة للتأمل والتدريس، حتى عندما رأى حسناوتين جلس يفكر من يختار منهما حتى غادرا المكان وهو حائر، تأخر في اتخاذ قرار إلى أن غادرت إحداهما المدينة وتزوجت الأخرى.
ابن المقفع: «اعلم أن من أوقع الأمور في الدين، وأنهكها للجسد، وأتلفها للمال، وأضرها بالعقل، وأزراها للمروءة، وأسرعها في ذهاب الجلالة والوقار، الغرام بالنساء».
بينما يرى الكاتب والفيلسوف السعودي عبد الله الغذامي في كتابه المشترك” نقد ثقافي أم نقد أدبي” موضوع الحب في الأدب. العربي يقول الغذامي:» إن الحب لم يكن موضوعاً رئيسياً في كل أشكال الأدب العربي، وإنه لم يؤخذ بجدية ولم يعتبر أبداً غرضاً أدبياً مستقلاً. لفتة نقدية حَريَّة بالتأمل». ويقول في موضع آخر: «الحب عندهم جنون، وهو موت، وهو فقدان للرجولة كما هو فقدان للعقل، وهو أشبه ما يكون بمؤامرة ضد الفحولة، والمرء إذا أحب فإنه يتأنث، كما وصفوا الغزل بأنه التخلق بأخلاق النساء»، كلام كبير ذكره كبيرنا الذي علمنا الفلسفة.
وأخيراً
الحبّ من منظور سُعلي
علاقة الماء بقطر السماء. نور تجلّى قمراً في ليل الفضاء، ابتسامة الفجر في كفّ صبح إلى وردة المساء، شراكة بين اثنين لا يفرقهما كوب قهوة أو رشف الحساء، أشبه بطفلٍ يلاحق عربة الرشّ؛ فتفيض منه جداول النقاء، توأمين في قارورة عطر كلما فتحتها يعبق منها مسك وعنبر فيه الشفاء، الحب أزلي الهوى طبيعي الفؤاد، كلما غازل قلباً تناثر منه فلا وكاد وريحان يملأ المكان والزمان وكل الأجواء، الحب نبتة صالحة تتعملق بالمودة والكثير من العطاء.