د. محمد بن عبدالعزيز العميريني
النحو العربي ليس مجرد نسق لغوي لصياغة الكلام، أو تنظيم البنية الإعرابية، بل هو تشكيل إبستمولوجي للعقل: شبكة من الافتراضات الفلسفية حول ماهية اللغة، وكيف تُعرف، وما العلاقة بين الدال والمدلول، بين الظاهر والباطن؟، هذا البناء تحوّل عبر تاريخ الفكر النحوي من مشهدٍ متأثر بالمنطق التصوري في قرونه المتأخرة إلى مشهدٍ يستدعى فهماً لسانياً نقدياً أعمق، يشتبك مع الفلسفة العقلية، ويحاور تحولات المصطلح النحوي والمنهج العلمي، والفكر اللغوي، والوعي المعرفي.
عند النحاة الأوائل، لا يمكن فصل العمل النحوي عن مقولات فلسفية: مفهوم «العِلّة» يشبه السؤال عن سبب الوجود اللغوي، وممارسة «القياس» تنطلق من منهج استنباطي عقلي يعتمد على النظر ودقة الملاحظة وامتد إلى أن أصبح بفضل جهود المتأخرين يُعنى بالنمذجة الإدراكية، ولهذا عندما وضع سيبويه معظم القواعد والقوانين النحوية المعتمدة على النظر والمشاهدة، كان ينظر إلى النحو العربي بوصفه نظاماً للتفكير أكثر من كونه نظاماً للغة، ولا غرو بعد هذا أن تتداخل مفاهيم القياس والعلة والتأويل والحدود، وتتقارب مناهج المعالجة، وقواعد الممارسة مع المنطق والفلسفة والعلوم القائمة على التفكير، فأضحى النحو منذ مراحله الأولى منطلقاً للاكتشاف، ودراسة ما وراء اللغة من تمظهرات، فاطرد مع القوانين العقلية في هيئة منظومة قابلة للتشكل وفق نصوص اللغة، وتأويلات الحاذقين، وهو بهذا لم ينسخ المنطق الفلسفي كما يرى المعاصرون، وإنما أعاد تشكيله بما يتناسب مع عناصر العربية، ووجوه كلام العرب.
ومن -هنا- جاءت المصطلحات والمنطلقات العقلية في نحونا العربي منذ أول المؤلفات فيه لتجعل من النحو مشروعاً معرفياً هدفه فهم (الركائز العقلية) قبل أن يركز على إصلاح اللسان، وتقويم الخطأ.
ومع ظهور اللسانيات الحديثة، لا سيّما عند تشومسكي تكشّف الصراع عن نظريتين جدليتين:
1. صراع داخل التراث نفسه بين التفسير العقلي/القياسي والنحو بوصفه تقنية وصفية، تعتمد على الملفوظ والمحفوظ من كلام العرب في زمن الاحتجاج، وترى أن الأصل تنظيم اللغة وفق آليات الخطاب العربي وقواعده، وترى أن النحو وعي معرفي يرتكز على الأنساق اللغوية (الحقيقية)، التي تتسم بالدقة والإحكام.
2. وصراع بين التراث واللسانيات الحديثة، و-هنا- تكمن مشكلة قراءة التراث وفق آليات التجريد البنيوي، وتحقيق (الملكة النحوية) أو (الطبع اللغوي) بعيداً عن شعارات اللسانيات الحديثة، أو اللحاق بركبها لتشكّل مقدمات لعلم اللسانيات المعاصرة، وتكون نواة لمفهوم القدرة اللغوية الفطرية، وبهذه النظرة يمكن لنا أن نوازن بين فلسفة سيبويه اللغوية، ومنطلقات تشومسكي التي تعتمد على أن اللغة نظام عقلي متأصل، وانظر كيف تعامل النحويون مع المعنى في ضوء المقام والسياق كما في كتابات عبد القاهر الجرجاني مثلاً، وقارنه بنظريات التداولية وسياقات القول عند غرايس وسيرل.
وحين نُقر بتلاقح الأفكار التراثية والحديثة، ونرغب في جعلها وفق تسلسل تراتبي يُعنى بتأثير السابق في اللاحق، وأن الفضل-لاشك- في النظام اللغوي التراثي الأصيل ندرك أن النحو العربي أضحى جزءاً من تاريخ الوعي الإنساني باللغة، وليس علماً من علوم العربية فحسب، كما أنه يثبت لنا بين الفينة والأخرى أنه سجل فلسفي وعقلي يعتمد التنظير والأقيسة المحكمة التي أبانت عن عقلية تنظيمية حين كان النحو العربي منفتحاً على منطق المعرفة، وأجزم بأنه لو أُعيد قراءة النحو العربي وفق مقتضيات اللسانيات الحديثة لأدركنا أنه سبق معظم نظرياتها فيما يخص العلاقة بين العقل واللغة والمعنى، وهو مجمل ما تتشكل منه علوم اللسانيات وأنظمتها، لكن ينبغي أن تكون هذه القراءة ممنهجة بطرائق علمية، بعيداً عن مظاهر الاستلاب الانتقائي،أو التهميش المبطّن للجهود والفكر العربي، فقط -هنا- يمكن تقليص المسافة بين الدراسات التراثية، واللسانيات المعاصرة.