د.عبدالإله آل سودا
إذا أردنا استجلاءَ مظاهر الخضوع لسطوة (الشائع اللغوي)، سنجد عديدًا من الكلمات أو العبارات الصامدة أمام حَملات التصويب اللغوي، منها: (أَخِصَّائي) وهي كلمةٌ لا وَجَه لغويٌ يُمكن به تَسويغها للدلالة على معنى التخصص في وظيفةٍ معينة؛ ومع ذلك، تَشيع شيوعًا يَـبْـلُغُ بها درجةَ أن تُتَّخَذَ صِفةً وظيفية رسمية، يُوصَفُ بها بعضُ الموظفين المُختصين في مجالٍ معين. ورغم أنّ بدائلها اللغوية الصحيحة موجودة، ولا ضَير في استعمالها كـ: إِخْصَائي (بكسْر الهمزة في البداية وتسكين الخاء)، واختصاصي، ومُختص إلخ؛ فالمرصودُ أن هذه البدائل تَـزْوَرُّ عنها أذواق الأكثرية؛ نظرًا لما تُوحي به كلمة (إِخْصَائي) مِنْ دلالة على معنى (الإخصاء) وهو معنى يَـنبو منه الذوق تلقائيّاً؛ فيَدفَعُ مُستعملي اللغة -بشعورٍ أو بدون شعور- إلى إبدال حركة الحرف الأول من الكسرة إلى الفتحة، مع تحريك الخاء؛ تَجَنُّبًا للالتباسٍ الدلالي المُخجل. وهو نُـبُـوٌّ وانصرافٌ تُفَـسِّرُه ظاهرةٌ سلوكية تُـعرَفُ بـ«التحاشي اللفظي الدلالي Euphemistic Avoidance» أو «التحاشي الدلالي الجمعي Collective Semantic Avoidance» وهي ميل المتحدثين إلى تجنّب نُطق أو كتابة كلمة تُذكرهم بمعنى قبيح أو محرّم أو مُحرج، حتى لو كانت صحيحة لغوياً، واستبدالها بصيغة أكثر أماناً. كما أنّ البديل الآخر وهو: (اختصاصي)؛ به طُوْلٌ ملحوظ، وكذلك: (مُختص)؛ لا تتحلى بأناقة (أَخِصّائي). هكذا حَكَمَ الذوقُ الجمعي اللغوي؛ ليَـجْعَلَ الـمُـنْتَقَى والأصلَح من بين هذه البدائل هي كلمة (أَخِصّائي) !
ومما تَرَكَتْ هذه الظاهرةُ السلوكيةُ أَثَـرَهَا فيه؛ كتابةُ كلمة (الاستراتيجية/ استراتيجية) بهمزة وصل، مع كونها اسمًا أعجميا معرّبا، وكان حقها أن تُبدَأ بهمزة قطع، ولكنّ بعضَ مَن احتكم إلى الذوق لا القاعدة، رأى أنها اشتبهت بالمصادر السداسية كـ: استتثمار/استثمارية إلخ فأعطيتْ حُكمَها استجابةً لاعتياد الذوق العربي، لا استجابةً للقاعدة، ولهذا أَجِدُها أكثر شيوعاً بدون همزة قطع، حتى إنني صِـرتُ بأخَرَةٍ أهمل كتابتها بالقطع نَظَرًا للاعتبار الذوقي. إذَن؛ هل يَعني هذا أنّ السيكولوجيا اللغوية الاجتماعية قد تَـنتَصِرُ أحيانًا على الضبط اللغوي التصحيحي المعياري؟ وهل اللغة في مستوى الاستعمال لا تَحكُمُها -أحيانًا- قراراتُ المجامع اللغوية، بل تَحكُمُها قوانينُ الأُلفة، والمحاكاة والانسياق نحو الأوفق للذائقة الجماعية، والألْـيَق بالسياق الظرفي الراهن؟ وهل يوجد (دولةٌ عميقة) في أطواء الاستعمال اللغوي تُمارسُ ما يُعرَف بـ«الشرعنَة بالتماهي أو الشرعنة بالاستيعاب Legitimation Assimilation» أم توجَدُ (حكومةُ ظِل) تُطَبّقُ «الشرعنة بالتداول Usage Legitimation»؟
إن المتبصّر يَحار حقًا حين يُحسُّ جَبروتًا لبعض الكلمات أو العبارات، بحيث تُستَعمل لغير ما وُضعتْ له، مع مخالفتِها الصريحة للمعيار اللغوي، ويُلحَظُ هذا في بعض الكلمات التي يوجَد لها نظيرٌ يُطابقها في نوع الحروف ويختلف عنها مَعنًى وشَكْلاً في الحركات؛ فإنك واجدٌ أن اللفظ الشائعَ منهما يُستعمل خطأ في غير موضعه، ومَرَدُّ هذا إلى ما أسلفتُه من وقوع الناس تحت سطوة الألفاظ الشائعة، وأمثلة ذلك أكثر من أن تُحصَر، منها: (رُباعِيّة) للصلاة الرُّباعية، فإن كثيراً من المتحدثين حين يستشهدون بحديث النبي عليه الصلاة والسلام الذي كُسِرَت فيه رَبَاعِيَتُه، يَنطقون الكلمة بضم الراء وتشديد الياء، والصواب أنها على وزن ثَمانِيَة. ومِثْلُ هذا؛ (رُجال ألمع) وهي مُحافَظَة في جنوب المملكة، فبرغم أن أهالي المحافظة من العارفين يُنبّهون إلى أنها بضم الراء: (رُجال) نسبةً إلى رَجُل اسمه (رُجال)، يُرصَدُ أن معظم المتَلَفّظين بها لا يَستطيعون نُقطها إلا بكسر الراء، ويُستثنى القلة ممن يَستقيم على ألسنتهم ضمها، ذلك أن سطوة اللفظ (رِجال) جَمْع رَجُل، تَغلِب الصوابَ اللغوي حتى لو كان معروفًا للناطق.
وأيضًا كلمة (بِداية) التي يُخَطِّئها جُلُّ اللغويين المتقدمين، وبعضٌ من المعاصرين، ولا يَجدون لها وجْهاً لغوياً مقبولا، ويقولون: الصواب هو بداءة البِداءة، ولكن الذوق الجمعي اللغوي رأى (بداية) هي الأصلح من (بداءة)، ثم فَرضَتْ الكلمةُ نفسَها وشاعتْ؛ فطَفِقَ بعضُ لغويينا المعاصرين يبحثون عن أي وجهٍ لغوي مقبول يُسيغها، ويَجعلُ لذيوعها شرعيةً، كمحمد العدناني صاحب معجم الأغلاط اللغوية، حيث أقرّ هذه الكلمة مُتَأوّلاً لها بالقول بأنه يَجوز قلْبُ الهمزة ياءً لغير علة طلبًا للتخفيف والتسهيل!
في حين أنّ السبب الكامن خلف هذا السلوك -في رأيي- هو أنّ كلمة (بداية) لَمّا كان نظيرُها هو (نهاية)؛ اتجه الذوق اللغوي الجمعي-بشعورٍ أو بدون شعور- للأخذ بـ(بداية) وإشاعتها طلبًا للمشاكلة، مع أنها أقل رتبة ً في الصوابية اللغوية. ولدينا من الكلمات المُشْكِلة أيضًا: (قَـيَّـمَ يُـقَـيِّمُ تقييمًا)، حيث قاوَمَتْ سهامَ التصحيح لسنواتٍ طويلة حتى أقرَّها مجْمَعُ القاهرة عام 1968م، ومِثْلها (كفاءة) مع أن المجمع لم يُشر إلى تطور دلالة (كفاءة) في لغتنا المعاصرة، الذي أصبح يدل على الأداء العالي مع التكلفة المنخفضة أو الجهد المنخفض.
ولو استرسلتُ في عرض الأمثلة لطال المقام، ولكن يَكفي من القلادة ما أحاط بالعُنُق، ومقصودي هو أن حيوية التداول اللغوي لبعض الكلمات أو العبارات يَمنحُها قبولاً وصَوابيةً حتى لو كانت مخالفة للمعيار اللغوي الصحيح أو الأشهر، بل إنّ هذا التدوال اللغوي يُمِدُّها بكثيرٍ من السطوة والمهابة، إلى درجةٍ تَجعل بعضَ اللغويين يَلوون لها أعناقَ المعايير والقواعد لتكون الكلمةُ أو العبارةُ مُستساغةً مقبولة؛ نَظَرًا منهم إلى أنّ اللغةَ في جوهرها منظومة مفتوحة قابلة للتجريب والتوليد، وأنّ ما يَصفه المحافظون بـ»الخطأ الشائع»، قد يكون مُجردَ مرحلةٍ انتقالية في تطور المعجم، مثلما كانت أجيالُ العرب قديمًا تبتكر التراكيب، وتولّد الألفاظ، ما دامتْ تحافظُ على نَـفَس العربية وإيقاعها، وقواعدها المَرعيّة.
وهكذا، فالجماعةُ اللغوية حين تَختارُ لفظةً دون أخرى، لا تَفْعَلُ ذلك عشوائيًا على الأرجح، بل وَفْقَ منطقٍ تراكمي يَنبع من الذوق الجمعي والتجربة التاريخية. إنهم يمارسون من حيث لا يشعرون، نوعًا من التفكير الجماعي في اللغة، يتبادلون فيه الألفاظَ في تفاعلٍ غير واعٍ، حتى يَستقر على ألسنتهم الشكلُ الذي يبدو أوفق بالذوقِ وأيسر في النطق، وهو ما تسميه اللسانيات الحديثة بـ»التفاوض المجتمعي على المعنى Community-based Meaning Negotiation» أي ذلك التكيف اللغوي الناتج عن التوافق الاجتماعي؛ فالمعنى لا يُفرَضُ من معايير متعالية، بل يُنتَجُ من الأسفل عبر الاستخدام المتكرر وإجماع الجماعة، أو كما سماه بيير بورديو(توفي 2002م) بـ«الهيمنة اللسانية Linguistic Domination» حيث تحدد الجماعة المهيمنة الصوابَ وفق معاييرها الرمزية، وهكذا تصبح اللغة ميدانًا للتفاوض بين النظام والمعنى؛ فالقوة الاجتماعية -بحسَب بورديو- يُمكنها أن تحوّل الانحراف اللغوي إلى معيارٍ جديد؛ لأن الناس لا يَتّبعون القواعدَ بقدر ما يتبعون الرموز ذات النفوذ، ومِنْ ثَـمّ يَغدو الصحيحُ لغويًّا هو ما يَستند إلى سُلطة اجتماعية؛ لأنه يُعبّر عن سُلطة المتحدثين الأقوياء.
وبهذا تتكَشّفُ لنا دورةٌ للحياة اللغوية، دَورةٌ تتجلى فيها كيف تتحول بعضُ الأخطاء الشائعة، أو الكلمات والعبارات المَرجوحَة عبْـرَ منطقٍ خفيٍّ من التفاعل الاجتماعي إلى عناصرَ أصيلةٍ في نسيج اللغة الحيّة على هذا النحو: مَرحلة توليدية يُسهِمُ فيها الذكاء الجمعي اللغوي، ثم مرحلة انتشارية عن طريق العَدْوى الاجتماعية، ثم مرحلةٌ تقنينية بشرعنةِ بعض الشائع، ثم مرحلة تكوينية بنشوء بعض المعايير المتولّدة من معايير سابقة.
وأختم بالقول: كما أنّ (الكِذْبة المتكررة) المُشاعَة بخُططٍ مدروسة تُصَدَّق؛ فكذلك (الخطأ اللغوي الشائع) أو (البدائل اللغوية المرجوحة/الركيكة) حين تتكرر، تَكتسب سَطوةً وجَبروتًا تُذَلَّلُ له أعناقُ القواعد اللغوية والمعايير، فيُظَنُّ أنها الصواب الأجدر بالاستعمال، في حين أن استعمالها خاطئٌ أو واهِن. والخَطَرُ هنا -في نظري- لا يَكمُنُ في الانزلاق نحو الزيف فَحَسْب، بل في النسيان التدريجي أن الخطأ منحرفٌ عن المعيار اللغوي وليس له أي وجهٍ لغوي صحيح، أو أن الكلمة أو العبارة ركيكة ولها بدائل أصح وأفصح؛ فكما أن الكذبة حين تتكرر تُصبِحُ حقيقةً أو شِبه حقيقة؛ فكذلك الخطأ اللغوي المتفق عليه، حين يشيع يستحيل عُرفًا إلى صواب مستقر، وفي كلتا الحالتين، إذا لم يَكن المرءُ يَقِظًا، فإنه سيكون جزءًا من اللُّعبة دون أن يَدري. (تَـمَّ الحديث).
إضاءة:
يُروى: «اللهم إني أعوذ بك من جَلَدِ الفاجر وعَجْز الثقة».