د. فهد بن عبدالله الخلف
الذائع المتداول عند التصريفيّين أنّ صيغة (فَعِيل بمعنى مفعول) التي ترد في بابي اسم المفعول(1)، وفي مسألة ما يستوي فيه المذكّر والمؤنّث دون لحاق تاء التأنيث المربوطة في الصفة المؤنّثة، ففعيل بمعنى مفعول ممّا يستوي فيه المذكّر والمؤنّث نحو: جريح بمعنى مجروح، وقتيل بمعنى مقتول، ويشترط هذا فيما ذكر موصوفه نحو: رجل جريح، وامرأة جريح، أمّا إن حذف الموصوف فإنّه يجب ذكر التاء المربوطة في الصفة المؤنّثة نحو: رأيت قتيلة بني فلان؛ لمنع اللبس بين المذكّر والمؤنّث(2)، وهذه المعلومة المهمّة ينصّ عليها المؤلّفون في علم الصرف العربيّ.
ولكنّ الطريف فيما حكاه ابن منظور (ت711هـ) عن صيغة فِعِّيل (بتشديد العين) بمعنى مفعول إذ قال: «والعنيّن الذي لا يأتي النساء، ولا يريدهنّ بيّن العَنانة والعِنِّينة والعنّينيّة، وعُنِّنَ عن امرأته إذا حكم القاضي عليه بذلك، أو مُنِعَ عنها بالسحر، والاسم منه العُنّة، وهو ممّا تقدّم كأنّه اعترضه ما يحبسه عن النساء، وامرأة عنّينة كذلك لا تريد الرجال، ولا تشتهيهم، وهو فِعّيل بمعنى مفعول مثل خِرّيج» (3)
وتصنّف صيغة (فِعّيل) في التصريف العربيّ على أنّها صيغة من صيغ المبالغة غير القياسيّة (4) أي: مجالها السماع، وأنّها تحفظ، ولا يقاس عليها.
وهذه الصيغة (فعّيل) صيغة عريقة في اللغة العربيّة نحو: صدّيق، وسكّيت، عشّيق، وشرّيب، وفخّير...، ولها مثيل في اللغة الآرميّة لكنّها بفتح الفاء لا بكسرها، وبفتح الفاء انتشرت في اللهجات المحكيّة الدارجة المعاصرة نحو: حَسِّيب، وطَبّيخ، وكَسّيب، وأَكّيل، وشَرّيب...(5)، ويشير أحمد مختار عمر إلى وجود صيغة فَعّيل (بفتح الفاء) في اللهجة المصريّة مرادًا بها المبالغة مثل: حَبّيب، وعَوّيم، ولَعّيب...(6)، ومن أبرز معانيها المبالغة، والولوع بالشيء فالصدّيق المبالغ في الصدق، والمولع به، والمداوم عليه، وصيغة (فِعّيل) عدّها المتقدّمون من الصيغ السماعيّة التي لا تصاغ من كلّ فعل، وإنّما يكتفى بما ورد لنا منها ممّا نقله إلينا المتقدّمون من اللغويّين، ولكن لكثرة أمثلتها أجاز مجمع اللغة العربيّة في القاهرة قياسها(7)، وقد أحصى أحمد مختار عمر خمسًا وأربعين صيغةً على زنة فِعّيل من كتب اللغة(8)
ويبدو لي أنّ مورد ابن منظور في عدّه عنّين من باب فِعّيل بمعنى مفعول هو الجوهريّ (ت395هـ) في الصحاح الذي قال: «ورجل عنّين لا يريد النساء بيّن العنّينيّة، وامرأة عنّينة لا تشتهي الرجال، وهو فعّيل بمعنى مفعول مثل خرّيج»(9)، وقال أيضًا عن لفظة (خرّيج) ما نصّه «وخرّجه في الأدب فتخرّج، وهو خرّيج فلان على فِعّيل بالتشديد مثال عنّين بمعنى مفعول»(10)، وقد يكون مورد الجوهريّ في ذلك أبا منصور الأزهريّ في التهذيب (ت370هـ) نقلًا عن ثعلب (ت291هـ) عن ابن الأعرابيّ (ت231هـ) إذ يقول: «والعُنُن جمع العنّين، وجمع المعنون أيضًا»(11)، فقد جمع بين عنّين ومعنون في النصّ على جمعهما جمعًا واحدًا هو عُنُن بضمّ العين والنون، وقد يفهم من دلالة الاقتران بين جمع هذين المفردين (عنّين/ معنون) أنّهما بمعنًى واحدٍ أي: من باب فِعّيل بمعنى مفعول.
وفي الختام فإنّه يحسن أن تضاف هذه الفائدة (فِعّيل بمعنى مفعول) التي وجدناها في الصحاح، ونقلها عنه صاحب اللسان إلى مظانّها في الأبواب الصرفيّة، ويُعلّق عليها أنّها مقصورة على السماع القليل جدّا، وقد يجد بعض الباحثين أمثلة أخرى تُضاف إلى هذين المثالين (عنّين/ خرّيج). وقد يستفيد من ذلك المعنيّون بعلم التأثيل (تأصيل المفردات من اللغات الأخرى) في تأصيل بعض الألفاظ العامّيّة الدارجة التي وردت على زنة فَعّيل (بفتح الفاء) مثل: شَرّيب، وأَكّيل، وغيرها بأنّها ذات أصل آراميّ؛ لورود هذه الصيغة في اللغة الآرميّة.
**__**__**__**__**
الحواشي:
(1) انظر المستقصى في علم التصريف، عبد اللطيف الخطيب، مكتبة دار العروبة، الكويت، الطبعة الأولى، 1424هـ/ 2003م جـ1، ص484.
(2) انظر المستقصى في علم التصريف، جـ2، ص657، ص658.
(3) لسان العرب، محمّد بن مكرم ابن منظور، دار صادر، بيروت، لبنان، الطبعة الثالثة، 1414هـ، جـ13، ص291، مادّة (ع/ن/ن).
(4) انظر معجم الأوزان الصرفيّة، إميل بديع يعقوب، عالم الكتب، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1413هـ/ 1993م، ص130.
(5) ذكر إميل بديع يعقوب في معجم الأوزان الصرفيّة ص129، ص130 صيغة (فَعّيل) في أوزان صيغ المبالغة غير القياسيّة، وذكر مثالًا لها هو: بَصّيم (الذي يحفظ كثيرًا)، وذكر أيضًا في صيغ المبالغة غير القياسيّة صيغة (فُعّيل)، وضرب لها مثالًا هو: سُكّيت (كثير السكوت)، وتمثيله لصيغة (فُعّيل) بكلمة سُكّيت فيه نظر، فهذه الكلمة بهذا الضبط لم ترد فيما اطّلعت عليه من المعجمات اللغوية نحو: (لسان العرب، ابن منظور، جذر: س/ك/ر، والقاموس المحيط، الفيروز آبادي، جذر: س/ك/ر، ومقاييس اللغة، ابن فارس، جذر: س/ك/ر)، ولم يشر إميل بديع يعقوب إلى أنّ صيغتا فَعّيل وفُعّيل مستعملتان في بعض اللهجات المحكيّة العربيّة الدارجة.
(6) انظر العربيّة الصحيحة دليل الباحث إلى الصواب اللغويّ، أحمد مختار عمر، عالم الكتب، الرياض، المملكة العربيّة السعوديّة، د.ط، د.ت، ص91.
(7) انظر المغني الجديد في علم الصرف، محمّد خير الحلوانيّ، دار الشرق العربيّ، حلب، سوريا، د.ط، د.ت، ص258، ص259.
(8) انظر العربيّة الصحيحة دليل الباحث إلى الصواب اللغويّ، أحمد مختار عمر، ص91.
(9) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربيّة، إسماعيل بن حمّاد الجوهريّ، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطّار، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، الطبعة الرابعة، 1407هـ/ 1987م، جـ6، ص2166.
(10) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، إسماعيل بن حمّاد الجوهريّ، جـ1، ص309.
(11) تهذيب اللغة، محمّد بن أحمد الأزهريّ، تحقيق: محمّد عوض مرعب، دار إحياء التراث العربيّ، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 2001م، جـ1، ص84.