صباح عبدالله
في عالم الأدب، ثمة روايات لا تُقرأ فحسب، بل تُسكن القارئ وتعيد تشكيل وعيه تجاه أبسط المفاهيم الإنسانية، ومنها الموت.
رواية « انقطاعات الموت» للروائي البرتغالي الحائز على جائزة نوبل عام 1886خوسيه ساراماغو واحدة من هذه الأعمال التي لا تكتفي بسرد حكاية، بل تمارس فعلاً فلسفياً متكاملاً على الوجود الإنساني. كعادته، يمزج ساراماغو في نصه بين الواقعي والمتخيل، بين السخرية العميقة والتأمل الفلسفي، وبين اللغة المتدفقة والروح الساخرة التي تحوّل أكثر الموضوعات رهبةً إلى ساحة للتفكير.
تبدأ الرواية من مفارقة مذهلة « في اليوم التالي لم يمت أحد.» تتوقف الموت عن العمل. لا أحد يموت بعد الآن. تمر الساعات والأيام والأسابيع، والبشر يكتشفون أن الحياة بلا موت ليست نعمة، بل لعنة متقنة الصياغة. فالموت، الذي كان رمز الفناء والرهبة، يتحوّل فجأة إلى ضرورة للوجود الإنساني. حين تتعطل الآلية التي تنهي الحياة، تتفكك منظومة الكون بأكملها: المستشفيات تمتلئ بمرضى لا يموتون ولا يشفون، الكنائس تفقد توازنها العقائدي لأن فكرة البعث والخلود تهتز من جذورها، شركات التأمين تنهار، والجنازات تتوقف، النظام الاجتماعي كله يتداعى أمام غياب الموت.
بهذا المدخل العبقري، يفتح ساراماغو باب التأمل في سؤال فلسفي قديم: هل يمكن للحياة أن تُفهم دون الموت؟ وهل نحتاج إلى النهاية لكي نفهم المعنى؟ يضعنا الكاتب أمام فكرة أن الموت ليس عدواً، بل شرط ضرورياً للحياة، وأن العدم الذي نخشاه هو ما يمنح للحظة الراهنة قيمتها وجمالها ما كان يبدو في ظاهر الأمر حدثًا خارقًا للعادة، يتحوّل تدريجياً إلى مأزق وجودي وفوضى شاملة وكأن الكاتب يقول: حين نُلغِي الموت، نُلغِي النظام الطبيعي للعالم.
تُظهر الرواية براعة ساراماغو في تحويل الفكرة المجردة إلى دراما إنسانية فهو لا يقدم الموت كقوة غيبية فحسب، بل كشخصية قادرة على التفكير والمشاعر.
في منتصف الرواية تقريبًا، تنقلب المعادلة: الموت تعود إلى العمل، ولكن بشكل جديد؛ إذ تبدأ بإرسال رسائل بنفسجية اللون إلى كل من اقترب موعد موته، تمنحه فيها مهلة أسبوع ليتهيأ للرحيل. هذه الرسائل تُثير في المجتمع عاصفة من الخوف والدهشة، وتصبح موضع تحليل من الفلاسفة والإعلام ورجال الدين..
الموت هنا لم يعد صامتًا أو مجهولًا، بل صار كائنًا متواصلاً، واعيًا أنثويًّا في اللغة والمشاعر، هذه التحوّلات السردية تمنح الرواية بعدًا ميتافيزيقيًا، حيث تمتزج الأسطورة بالواقع، ويصبح الحوار بين الإنسان والموت حوارًا بين الخالق والمخلوق، بين الفناء والخلود.
وفي الجزء الأخير من الرواية، يأخذ ساراماغو منحى أكثر حميمية حين تقع الموت في الحب، إن هذا الانعطاف المفاجئ ليس نزوة سردية، بل ذروة في البناء الرمزي. فحالة الموت التي كانت تمارس عملها ببرود وصرامة، تواجه لأول مرة ضعفها الإنساني. تقع في حب عازف تشيلو لم تصله رسالتها البنفسجية، فتتخلى عن طبيعتها الخالدة، وتعيش الصراع بين الواجب والعاطفة في هذا المشهد، يتجلى جوهر الإنسان كما يراه ساراماغو: كائن يتأرجح بين الخوف والرغبة، بين الحتمية والحرية، إن موتًا تعرف الحب يعني موتًا أصبحت إنسانيًة، وفي ذلك مفارقة تكشف عمق رؤية الكاتب.
من الناحية الأسلوبية يحتفظ ساراماغو بصوته السردي المميز: الجمل الطويلة الملتفة، الفواصل القليلة، الحوار المندمج بالسرد دون علامات ترقيم تقليدية، والراوي العارف الذي يتدخل بذكاء وتعليق ساخر في الأحداث هذه التقنية تمنح النص إيقاعًا خاصًا يشبه تيار الوعي، وتخلق نوعًا من الحوار المستمر بين القارئ والكاتب كما أن نبرة السخرية التي تملأ الرواية ليست خفيفة أو عبثية، بل هي سخرية فلسفية، تُستخدم كأداة لكشف تناقضات الإنسان المعاصر فحين يتوقف الموت، لا يتحرر الإنسان، بل يزداد عبوديةً للنظام، للمال، للدين، وللسعي المحموم إلى البقاء.
يستطيع القارئ أن يلمس في الرواية ظلّ ساراماغو الفلسفي واليساري الإنساني، إذ يوجه نقده اللاذع للمؤسسات الدينية والسياسية والاجتماعية التي تُقنِّن الموت وتُسوِّقه. الكنيسة، على سبيل المثال، تُصاب بالارتباك لأن خلود البشر يُبطل الحاجة إلى خلاص ديني، والدولة تتعامل مع المسألة بعقل بيروقراطي بارد، وكأنها أزمة اقتصادية لا وجودية. كل ذلك يعكس رؤية ساراماغو للعالم الحديث: عالم فقد البعد الروحي واختزل الإنسان إلى وظيفة ضمن منظومة نفعية ضخمة، لكن خلف هذه السخرية، يظلّ هناك حس إنساني عميق فالكاتب، رغم سخريته من النظام، يتعامل مع الفرد بعطف فالمسنون الذين لا يموتون، والأطفال الذين يظلون في غيبوبة، والعائلات التي تحتفظ بأحبتها في وضع شبه حي، كلّها صور تُثير في القارئ مزيجاً من الحزن والشفقة هنا تتجلّى شاعرية ساراماغو فهو لا يدين الإنسان بل يُظهِر هشاشته وارتباكه أمام أسرار الوجود.
من خلال هذه الرواية، يو اصل ساراماغو مشروعه الأدبي الذي بدأه في أعماله الكبرى مثل «العمى» و» الإنجيل بحسب يسوع المسيح» وهو تفكيك المسلَّمات الكبرى في الوعي الجمعي: الدين، السلطة، الأخلاق، والموت نفسه. ولكنه في «انقطاعات الموت» يصل إلى أقصى درجات النضج الفني، حيث تتحول الفكرة الفلسفية إلى حكاية نابضة، والشخصيات الرمزية إلى كائنات تُلامس القلب والعقل في آن واحد.
وحين نغلق الكتاب، نخرج منه كما لو أننا أعدنا التفكير في كل ما نعتبره بديهيًا. نبدأ في تقدير اللحظة، نرى في الفناء جمالاً لا يدركه إلا من فهم أن الوجود نفسه معجزة مؤقتة وكأن ساراماغو يقول لنا بلغة الشعر والفكر: لا تخافوا الموت، بل خافوا حياة بلا معنى، بلا اكتمال، بلا ختام يليق بها، بهذا المزج بين الفلسفة والسرد والشعر، يثبت خوسيه ساراماغو أنه ليس مجرد روائي، بل فيلسوفٌ يكتب بالرواية. «انقطاعات الموت» عمل يخلد في الذاكرة لأنه يعيد إلينا وعيًا غفلنا عنه: أن الموت ليس عدونا، بل رفيقنا الأبدي، ظلّ الحياة الذي لا يمكننا العيش بدونه.