نجلاء العتيبي
أدرك ثيسيجر منذ خُطواته الأولى أن الصحراء لا تصمتُ؛ فهي تتحدَّث لمن يفهم لُغتها، كانت الرمال تمتدُّ أمامه كبحرٍ من ضوءٍ مُتغيِّرٍ، تصوغ الرياحُ ملامحَهُ، وتُعيد تشكيل طُرُقه كل يومٍ.
في هذا الاتساع المهيب يتجلَّى ثبات الإنسان، وقدرته على التكيُّف، وصبره في مواجهة القسوة بطمأنينة نابعة من فهم الأرض واحترامها.
في عام 1947، مضى الرحَّالة البريطاني ويلفريد ثيسيجر عبر أراضي المملكة العربية السعودية نحو الربع الخالي يحمل فضولًا عميقًا؛ لاكتشاف نظام هذه الصحراء المترامية، باحثًا عن معنًى في القسوة، وعن انسجامٍ خلف الصمت الظاهر.
رافقه عددٌ من الأدلَّاء المتمرِّسين في قراءة الصحراء، يعتمدون على مواقع النجوم؛ لتحديد الاتجاهات، ويقودون القافلة بثقةٍ اكتسبوها من إرثٍ طويلٍ في التنقُّل بين الرمال.
منذ الأيام الأولى أدرك أن الصحراء عالمٌ قائمٌ بذاته، يخضع لقوانين دقيقة لا ترحم التردد أو الخطأ، كانت الكثبان تتغيَّر باستمرار، تتبدَّل ملامحها مع كل هبَّة ريح، وتُخفي المسالكَ التي سلكوها في اليوم السابق.
تعلَّم أن يقرأ الرمل كما يقرأ الإنسان وجوه الناس، يُميّز بين ما يُمكن السَّير عليه وما يبتلع الأقدام.
حرارة النهار كانت قاسية، والليل يأتي ببرودةٍ حادَّةٍ تكشف نقاء السماء المليئة بالنجوم.
أثناء عبوره الأراضي السعودية التقى عدَّة جماعاتٍ من البدو الذين استقبلوه بكرمٍ رغم نُدرة الموارد، يُشاركونه ما يملكون، ويعلمونه مواقع الآبار والطرق، رأى فيهم صفاءً فطريًّا، وشجاعةً نادرةً، ودوَّن إعجابه بقدرتهم على التمسُّك بقيمهم رغم قسوة العيش، وصفهم بأنهم “أُناس يسكنون الصحراء؛ لأنهم فهموا قوانينها، فعاشوا معها لا ضدها”.
كانت الإبلُ عماد الرحلة وسيلة حياةٍ لا يمكن الاستغناء عنها، تابع ثيسيجر كيف تُعامل بعنايةٍ واحترامٍ، وكيف يختبر البدو صبرها قبل اعتمادها في الرحلات الطويلة، ومن فوق سنامها كان يرى الأُفُق يلمع بحرارة الشمس كمرآةٍ عظيمة بينما تتحرَّك الظلال ببطءٍ فوق الرمال كأنها توقيت بدوي يضبط إيقاع النهار.
في المناطق القريبة من نجران، لاحظ تغيُّر طبيعة الأرض؛ فالرمال هناك تمتزج بصخورٍ صُلبةٍ تشهد على تاريخٍ جيولوجي عميق.
في تلك الأماكن أدرك أن الجمال في الصحراء لا يقوم على الزخرف، بل على صفاء لا يتكرَّر، حيث تتداخل ألوان الرمل من الأصفر إلى الأحمر، وتترك الرياحُ خطوطَها على السطح كأنها كتابةٌ بلغةٍ لا تُقرَأ إلا بالبصيرة.
واصل ثيسيجر رحلته أسابيعَ متواصلةً حتى بلغ تُخُوم الربع الخالي الغربية، وغادر المملكة وقد تغيَّر فهمه لمعنى القوة والاحتمال، رأى أن الكمال في الصحراء لا يأتي من وفرتها؛ بل من اتساقها مع ذاتها، وأن الإنسان فيها يتعلَّم الصبر، لا ليتغلَّب، بل ليبقى منسجمًا مع ما حوله.
دوَّن ملاحظاته بدقَّةٍ فكانت رحلتُهُ من أهم ما كُتب عن الربع الخالي؛ إذ عرَّفت العالم على عمق هذه الصحراء وجمالها داخل حدود المملكة العربية السعودية.
رحلة لم تكن مغامرةً فحسبُ، هي شهادة حيَّة على عظمة المكان، وثبات الإنسان الذي يسكنه.
ضــوء
«الربعُ الخالي سجلٌّ مفتوحٌ لتاريخ الأرض، تحفظ رمالُهُ ذاكرة البدايات».