د.عبدالعزيز النخيلان
قبل أيام التقيت بأحد الشباب العرب العاملين في المملكة، شاب لطيف الخلق، حسن المعشر، جديد في عمله، يبذل جهده بصدق وإخلاص. جلسنا نتحدث عن عمله الجديد، عن الغربة، وعن أحلامه البسيطة، اكتشفت أنه لا يقرأ ولا يكتب!. توقفت لبرهة، وتأملت هذا المشهد الذي بدا لي غريبًا في زمن المعرفة والاتصال.
تساءلت بيني وبين نفسي: متى كانت آخر مرة سمعت فيها عن شخص أُمِّيٍّ في مجتمعنا السعودي؟!
تأملت الموقف، وتذكرت أننا في السعودية نكاد لا نرى اليوم من هو أميّ. بل إن الأمية أصبحت شيئًا من الماضي، لا نكاد نسمع بها إلا في قصص كبار السن، أولئك الذين عاشوا زمنًا لم تكن فيه المدارس في كل حي، ولا المعلم في متناول كل بيت.
تحاول أن تسأل أحداً عن اسم شخص أمي لا يعرف القراءة ولا الكتابة، أكاد أجزم أنه لن يستطيع أن يذكر أحداً، وإن استطاع فسيذكر أحد كبار السن في السبعين أو الثمانين من عمره. عندها أيقنت أننا في وطنٍ تجاوز مرحلة الأمية منذ زمن، وأننا نعيش في بيئة جعلت التعليم حقًّا للجميع، واعتبرته حجر الأساس في بناء الإنسان قبل البنيان، وأن الأمية بالنسبة لنا أصبحت استثناءً لا يُذكر، وأن المجتمع السعودي تخطى تلك المرحلة منذ عقود، بفضل الله ثم بفضل هذا الوطن العظيم. والذي لم يعد فيه التعليم مجرد وسيلة للمعرفة، بل أصبح قيمة وطنية، وحقًا مكتسبًا، وأسلوب حياة. إنني حين أتأمل واقعنا اليوم، أشعر بالفخر والاعتزاز بانتمائي لهذا الوطن العظيم. فالسعودي اليوم لا يحمل فقط شهادة الابتدائية أو الثانوية، بل تجد الغالبية يحملون شهادة البكالوريوس، لا تكاد تجد بيتًا إلا وفيه خريج جامعة، أو مبتعث سابق، أو باحث في مجال علمي أو مهني. بل إن أعداد حملة الماجستير والدكتوراه في ازدياد مستمر، في الداخل والخارج، يحملون راية الوطن في المحافل والمؤتمرات والجامعات العالمية.
بل تجاوز الأمر ذلك إلى الإبداع في كل المجالات: في الطب، والهندسة، والتعليم، والتقنية، وحتى في الثقافة والفنون. مؤمنون بأن التعليم ليس شهادة تُعلَّق على الجدار، بل هو سلوك وثقافة ووعي.
نعم، أنا أفتخر بأنني سعودي، أعتز بثقافتي، وتاريخي، وأصولي، وإن ركبت الجمل يومًا فذلك لأنني أنتمي لأرضٍ عريقةٍ علمت العالم معنى الصبر والعزيمة، وأرضٍ جعلت من أبنائها روّادًا في ميادين العلم والحياة.
حين تأملت ذلك الشاب الأمي القادم من بلده، شعرت بالأسى لأجله، لكنني شعرت في الوقت نفسه بفخر عظيم ونحن لا نحمد الله على نعمة المال فقط، بل نحمده على نعمة الوعي والمعرفة.
أصبح من الطبيعي أن نرى السعودي يكتب بلغتين أو ثلاث، يناقش قضايا علمية وتقنية وثقافية، ويتفاعل مع العالم بثقة وثبات.
إنها قصة وطنٍ لم يكتفِ بالقفزات الاقتصادية، بل آمن أن الإنسان المتعلم هو أغلى استثمار، وأن نهضة الأمم تبدأ من كتابٍ يُفتح، ومدرسةٍ تُبنى، ومعلمٍ يُكرَّم. وكما قال غازي القصيبي- رحمه الله-: «إنّ الانسان هو الثروة الحقيقية لأي وطن، وأغلى ما يملكه على الإطلاق».
تلك هي المملكة التي أفتخر بها... وطن لا يعرف فيه الجهل طريقًا، ولا يقف فيه العقل عند حدود.