د. رانيا القرعاوي
شهدت الرياض هذا الأسبوع حراكًا لافتًا باحتضان ملتقى مستقبل الاستثمار، وملتقى الصحة العالمي، وهاكاثون تقني ضخم، في صورة تجسد طموح المملكة في ترسيخ موقعها كمركز دولي للأفكار والاستثمار والابتكار. هذا الزخم يتسق مع رؤية السعودية 2030 التي جعلت صناعة الفعاليات والمعارض رافدًا اقتصاديًا مهمًا وأداة دبلوماسية ناعمة تعيد تشكيل القوة الناعمة للمملكة على المستويين الإقليمي والعالمي من خلال تبادل المعرفة وتعزيز الشراكات.
وتشير الدراسات الحديثة إلى أن سوق إدارة الفعاليات في السعودية قُدّر بحوالي 9.45 مليار دولار في عام 2024، ومن المتوقع أن يتجاوز 19.5 مليار دولار بحلول عام 2032، بمعدل نمو سنوي مركب يقارب 8.4 %. كما تستهدف المملكة رفع مساهمة قطاع المؤتمرات والمعارض في الناتج المحلي من 3.8 % إلى نحو 8.8 % بحلول 2030 . هذه الأرقام توضح أننا لا نتحدث عن نشاط موسمي، بل عن صناعة وطنية صاعدة تمثِّل إحدى ركائز مستقبل الاقتصاد السعودي الجديد.
ورغم هذا التقدم، إلا أن استدامة هذه الصناعة لن تكتمل إذا ازدحمت الفعاليات الكبرى في الأسبوع نفسه، مهما كانت قيمتها. فحين تتزايد المؤتمرات يتشتت التركيز الإعلامي ويتراجع عمق الرسائل، وهنا تتحول المشاركة من حضور نوعي إلى بروتوكول عابر.
في عالم المؤتمرات هناك قاعدة معروفة: الحدث ليس في يومه، بل في أثره الممتد. وهذا الأثر يحتاج لعدم تداخل المؤتمرات الهامة في التوقيت ذاته، لإتاحة الفرصة لتطوير الرواية الإعلامية وتعظيم الأثر.
وقد لفت الفلاسفة إلى هذه الحكمة قبل النموذج الإداري الحديث؛ فقال أفلاطون في كتاب الجمهورية، إن الخير كالضوء، إن زاد عمي وإن اعتدل أضاء، فالإفراط في الضوء يحجب الرؤية. ويشير ابن خلدون إلى أن حسن التدبير لا يكون بكثرة الأعمال، بل بترتيبها وتحقيق مقاصدها. وهذه هي جوهر المسألة اليوم، فالنمو لا يعني كثرة المناسبات المتزامنة، بل هندسة زخم ذكي يمنح كل حدث مساحته ليضيء وحده، ويترك بصمته دون أن يذوب في ضجيج إنجازات كثيرة في لحظة واحدة.
السعودية اليوم تملك مقومات التأثير وتتصدر مساحات جديدة في النقاشات العالمية حول الصحة، الاستثمار، التقنية، والطاقة. ما يلزم هو تكامل تخطيطي بين الجهات المنظمة لضمان توزيع متوازن للمناسبات الكبرى، ووجود جهة منظمة ومظلة رئيسة لتلك الفعاليات الهامة بحيث يتحول كل حدث إلى فرصة إستراتيجية كاملة، لا إلى لحظة سريعة وسط زحمة نجاحات. فهدفنا ليس أن نعقد مؤتمرات أكثر، بل أن نصنع أثرًا يبقى.
الرياض الآن لا تحتاج لتكديس لتثبت مكانتها، فهي أثبتت. والمطلوب الآن أن نُطيل عمر الأثر، لا أن نُسرِّع مرور اللحظة. التخطيط الهادئ، والرسائل المركزة، والإيقاع المتوازن، هي ما سيجعل من الرياض ليس فقط عاصمة للأحداث، بل عاصمة للاستدامة والنمو والتأثير.