د. عبدالعليم غالب نصر مثنى
في قاعات منتدى مبادرة الشرق الأوسط الأخضر بالرياض، حيث اعتاد العالم أن يسمع همسات النفط، تعلو اليوم أصواتٌ من نوع آخر: حفيف الأشجار في مشاريع التشجير العملاقة، وهمس الألواح الشمسية، وحلمٌ واعد بالهيدروجين الأخضر. لم تعد العاصمة السعودية مجرد مضيفة للمؤتمرات، بل أصبحت مسرحاً لتحوّل تاريخي يشبه تحولات العصور الكبرى. ما نشهده اليوم في هذا المؤتمر الدولي ليس مجرد تغيير في سياسات الطاقة، بل هو انزياح جيوسياسي يعيد ترتيب خريطة القوى العالمية، حيث تنتقل المملكة من دور المورد للطاقة إلى دور المصمم لمستقبلها.
في قلب هذا المؤتمر، تكمن رؤية استباقية تعيد تعريف مفهوم الثروة الوطنية. تشير الدراسات الاقتصادية إلى أن التحول من اقتصاد قائم على الموارد الطبيعية إلى اقتصاد قائم على المعرفة يتطلب عادةً عقوداً من التخطيط، لكن المملكة تمضي بسرعة مذهلة في هذا المسار، مستفيدةً من تراكم الخبرات في إدارة واحدة من أعقد شبكات الطاقة العالمية. البيانات التي تم عرضها في جلسات المؤتمر تشير إلى أن استثمارات المملكة في الطاقة المتجددة تجاوزت 50 مليار دولار خلال السنوات الثلاث الماضية فقط، مع خطط لاستثمار 100 مليار دولار إضافية بحلول 2030. هذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات مالية، بل هي تعبير عن إرادة استراتيجية تم الإعلان عنها في هذا المحفل العالمي لتأسيس نموذج تنموي جديد لا يلغي دور النفط، بل يوسع دائرة الاقتصاد الوطني ليشمل قطاعات كانت حتى الأمس القريب تبدو بعيدة عن التخصص السعودي.
تشكل الصحراء السعودية مساحة تبلغ أكثر من 70 % من أراضي المملكة، ولطالما نظر العالم إلى هذه المساحات الشاسعة كعقبة تنموية، لكن الرؤية التي تم تقديمها في المؤتمر تعيد تصور هذه الجغرافيا كفرصة استثنائية.
مشاريع الطاقة الشمسية في «سكاكا» و»سدير» التي تم استعراضها خلال الجلسات التقنية تثبت أن الصحراء يمكن أن تتحول إلى أحد أكبر مصادر الطاقة النظيفة في العالم، حيث تشير التقديرات الفنية التي نوقشت على هامش المؤتمر إلى أن المملكة تملك القدرة على إنتاج أكثر من 200 غيغاواط من الطاقة الشمسية، وهو ما يعادل عشرات أضعاف احتياجاتها الحالية.
هذا الفائض الهائل يمكن أن يصبح سلعة استراتيجية جديدة، حيث تعمل المملكة على تطوير تقنيات تخزين ونقل الطاقة لمسافات طويلة، ممثلة إضافات نوعية للسجل التقني العالمي تم عرضها في أروقة المؤتمر.
قد يكون التحول في رأس المال البشري هو الأكثر إثارة في هذه الرحلة التي تم تسليط الضوء عليها خلال جلسات المؤتمر، حيث تشير إحصاءات «رؤية 2030» التي تم عرضها إلى أن أكثر من 70 % من السكان السعوديين تقل أعمارهم عن 35 عاماً. هذا الجيل الشاب، الذي ترعرع في عصر التقنية والاتصال، يمتلك مهارات مختلفة جذرياً عن الأجيال السابقة، وقد أنتجت برامج الابتعاث الخارجي مقرونة بالاستثمار في الجامعات والمراكز البحثية المحلية جيلاً جديداً من الخبراء السعوديين في مجالات الطاقة المتجددة والاقتصاد الدائري. الشاب السعودي الذي كان يعمل في شركات النفط العالمية أصبح اليوم يطلق مشاريع ناشئة في مجال التقنيات الخضراء، مما يعكس تحولاً أعمق في الثقافة المجتمعية والطموحات الفردية تم توثيقه في حوارات المؤتمر.
في السياق الجيوسياسي، تمثل المملكة نموذجاً فريداً للقوة الناعمة، حيث تقدم من خلال مبادرات مثل «مبادرة الشرق الأوسط الأخضر» و»مبادرة السعودية الخضراء» التي تم إطلاقها في هذا المؤتمر نفسها كجسر بين العالم النامي والمتقدم.
المواقف في المحافل الدولية تشهد على هذا التحول، حيث أصبح الخطاب السعودي يركز على القضايا البيئية كجزء من الأمن القومي والإقليمي، وتعكس الشراكات الدولية الجديدة مع دول مثل كوريا الجنوبية واليابان في مجال الهيدروجين الأخضر، والتعاون مع ألمانيا في كفاءة الطاقة التي تم التوقيع عليها على هامش المؤتمر استراتيجية دبلوماسية جديدة امتدت من العلاقات السياسية التقليدية إلى الشراكات التقنية والاستثمارية في مجال التقنيات الخضراء.
تمثل استراتيجية الاقتصاد الدائري للكربون التي تم عرضها في جلسات المؤتمر نقلة نوعية في التعامل مع تحدي الانبعاثات، حيث لا يعتمد النموذج على خفض الانبعاثات فقط، بل على إدارة متكاملة تشمل التقليل وإعادة الاستخدام والتدوير والإزالة. هذا النهج الشامل يعكس فهماً عميقاً لتعقيد تحدي التغير المناخي، ويظهر مركز التميز للاقتصاد الدائري للكربون في الرياض كمنصة عالمية لتطوير هذه النماذج المتكاملة، بينما تظهر الشراكات بين «أرامكو السعودية» و»سابك» في مجال التقاط الكربون واستخدامه كيف يمكن تحويل التحدي البيئي إلى فرصة اقتصادية تم عرض نتائجها في المؤتمر.
يكمن التفرد في النموذج السعودي في شموليته، حيث أن المشاريع العملاقة مثل «نيوم» و«القدية» و«البحر الأحمر» التي تم استعراضها خلال المؤتمر لا تركز على الطاقة النظيفة فقط، بل تدمج مفاهيم الاستدامة في كل جوانبها: من أنظمة النقل إلى إدارة المياه، ومن العمارة الخضراء إلى السياحة المستدامة. هذا التكامل يجعل من النموذج السعودي حالة دراسة فريدة للتنمية المستدامة المتكاملة، حيث يمثل التحول الذي تقوده المملكة وأُعلن عنه في هذا المؤتمر أكثر من مجرد تغيير في مصادر الطاقة، بل هو تحول في فلسفة التنمية، ورؤية للقيادة، وإعادة تعريف لدور الدولة في القرن الحادي والعشرين.
النجاح في هذا المسار سيكون له تداعيات تتجاوز الحدود السعودية، حيث سيمثل نموذجاً يحتذى به في المنطقة والعالم، وتكمن الرسالة التي تبعث بها الرياض إلى العالم من خلال هذا المؤتمر في أن المستقبل لا يُنتظر، بل يُصنع، وأن الصحراء التي طالما نظر إليها العالم كرمز للتحدي، تتحول اليوم إلى رمز للأمل. في هذه المفارقة تكمن عبقرية الرؤية السعودية: تحويل التحديات إلى فرص، واختراق المستحيل، وكتابة فصل جديد في قصة العلاقة بين الإنسان والطبيعة، حيث تثبت المملكة أن الإرادة تصنع المعجزات حتى في أكثر الأماكن قسوة، وتضع نفسها في قلب التحول الحضاري الكبير الذي سيشكل مستقبل الكوكب للأجيال القادمة.
** **
- أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر المساعد بجامعة عدن