فائز بن سلمان الحمدي
في زمن تتقاذف فيه الأمم رياح الإعلام كما تتقاذف الأمواج السفن في لجج البحار، وتندلع فيه الشاشات بضوء كثير لا دفء فيه ولا صدق؛ تقف المملكة العربية السعودية شامخةً كجبل نور في قلب عاصفة من الظلام، لا تهتز جذورها وإن عصفت رياح الكيد من كل صوب، ولا تبهت صورتها وإن سالت من حولها أنهار التضليل.
لقد انهالت على هذا الوطن خلال أشهر قليلة ملايين المحتويات المغرضة التي تتصيد الأمن وتستفز العاطفة لتؤججها، وتلحق بها موجات من التحريض والكراهية، وشائعات تنسج بخيوط الغدر في ليل رقمي بهيم. غير أن هذه الهجمة ـ على فداحتها ـ ليست إلا فصلًا جديدًا من صراع قديم؛ صراع مشروع يبني الإنسان ويعلي الوعي، في مواجهة مشروع لا يحسن إلا الهدم والتزييف.
فحين تعلو راية الإصلاح، ويشتد ساعد التنمية، تكثر الغربان نعيقًا، ويستنفر أهل الخصومة والحسد، إذ يرون في نجاح المملكة مرآةً تعري عجزهم، وفي نهضتها شهادةً على خمولهم، وفي استقرارها صفعةً لخططهم التي لا تقوم إلا على الفوضى والخراب. ولما عجزوا عن مواجهة القوة الصلبة للدولة، اتجهوا إلى ضرب مكمنها الأثمن: وعي الإنسان السعودي. هذا الوعي المتجذر في العقيدة، المترسخ بالتربية، المتدرب على التمييز بين الحقيقة والزيف، هو الهدف الذي رموه بسهام مدهونة بالعاطفة، وصور تستدر الدموع، وعناوين تستثار بها الغضوب ثم تفرق الصف وتربك البصيرة.
ومن هنا صار الفضاء الإلكتروني ميدانًا لحرب ناعمة لا تسمع فيها قعقعة السيوف، بل تطلق قذائفها من أصابع على لوحات صغيرة؛ غير أن أثرها قد ينخر الثقة، ويشوه القناعات، ويشعل نار الفتنة في القلوب.
ومع ذلك، ينهض هذا الشعب النبيل بثبات راسخ: يدرك أن صمت الثقة أبلغ من ضجيج المزايدات، وأن الحلم في وجه الجاهل أشد وقعًا من حد السيف، وأن الشمس مهما حجبت بسحب الكذب لا تنطفئ؛ بل تعود فتشرق أصفى وأبهى.
لقد تعلم السعودي ألا يساق بعصا العاطفة، ولا يفتح قلبه لكل صائح، بل يمحص الخبر تمحيص الصائغ ذهبه: لا يغريه البريق، ولا يخدعه البهتان. فالمعركة اليوم معركة وعي وإدراك؛ ميدانها العقول والوجدانات، وسلاحها الكلمة والصورة والمشهد. والأعداء يعلمون أن الشائعة قد تربك صفًا، وأن المعلومة المزورة قد تهدم بناءً عمره عقود. لكنهم يجهلون أن هذه البلاد قامت على الحق، ومن كانت جذوره في السماء فلن تستأصله رياح الأرض.
إن هذا الوطن سقي عبر التاريخ بالشدائد فاشتد، وتعرض للمكائد فازداد وعيًا؛ لا تغريه بهرجة الشعارات، ولا تفتنه صيحات التشكيك، بل يؤمن بأن الإنجاز أصدق بيان، وأن العمل المخلص أمضى رد على الباطل. ولذلك تمضي المملكة في طريقها ثابتةً، تبني المجد بالحكمة، وترسخ القيم بالمعرفة، وتفحم الأكاذيب بالفعل قبل المقال.
يا أبناء الوطن، إنكم جند هذه المعركة: لا ترى فيها البنادق وترى فيها البصائر. فكونوا حصن وعي لا تخترقه الشائعات، وسد ولاء لا تنفذ منه الريح. لا تنخدعوا بزخارف القول، ولا بعبارات الحاقدين التي تغلف السم بالعسل. فالذود عن صورة الوطن عبادة، وصيانة سمعته فرض من فروض الولاء.
أجل، إنهم يرمون إلى اقتلاع الثقة من جذورها، فإذا ذهبت الثقة سقط البنيان ولو كان شامخًا. لكنهم جهلوا أن هذه الثقة نسجت من تاريخ مجيد ودماء مخلصين، حتى صارت عقيدةً تقيم القلب فلا تنتزع بالتشويه ولا بالتزييف. وهكذا تمضي المملكة، واعيةً بما يحاك ضدها، لا تلتفت إلى الضجيج الخارجي، بل تصغي لنداء رسالتها الكبرى: بناء الإنسان، وإعمار المكان، وحفظ المكانة. فكل ما يقال خارجًا لا يساوي أثر إنجاز واحد يضيء حياة المواطن وكرامته. وتبقى حملات الحقد غبارًا يتلاشى مع أول نسمة وعي، ويبقى الوطن نورًا لا يطفئه إلا من أغمض عينيه عمدًا. وسيسجل التاريخ أنه في زمن التزوير العالمي، ووسط الطوفان الإعلامي، كانت هناك دولة اسمها المملكة العربية السعودية: تقف كالجبل أمام الريح، لا تتراجع، لا تساوم، ولا تنثني. بلد إذا استهدف اشتد، وإذا حورب ازداد إشعاعًا، وإذا تكاثر الظلام من حوله زاد نوره رسوخًا وبهاءً. تلك هي السعودية: مملكة الحق قبل أن تكون مملكة القوة، ومملكة الوعي قبل أن تكون مملكة الثراء، ومملكة لله في أرضه قبل أن تكون مملكةً في الجغرافيا.