د.عبدالله بن موسى الطاير
الانقلاب الحاصل في مزاج الرأي العام الأمريكي تجاه إسرائيل لافت للانتباه، وبقدر سرعته وحدته، فإنه لا يعد خارج سياق التاريخ.
عام 1956م أثناء العدوان الثلاثي على مصر، لم تكن أمريكا تابعة لتل أبيب بعد، ولذلك عارضت العدوان بشدة، وهدد الرئيس أيزنهاور بفرض عقوبات اقتصادية، ودعم قرارات الأمم المتحدة لوقف إطلاق النار. الرئيس ريجان هو الذي أعطى إسرائيل أهمية بالغة في الأمن الوطني الأمريكي، وجعلها ركنا مهما فتلاعبت لاحقا بالأمريكيين.
منذ حقبة ريجان، كان الدعم الأمريكي لإسرائيل مبدأ أساساً لا يقبل التأويل في السياسة الخارجية الأمريكية، متجذرا في القيم (الديموقراطية) المشتركة والمصالح الاستراتيجية والروابط (التاريخية).
ولأن غزة كانت أزمة كاشفة، وفي خضم حرب الإبادة الطويلة، تظهر استطلاعات الرأي تحولات جذرية في الرأي العام الأمريكي ضد إسرائيل، لا مجرد ضوضاء عابرة، بل اتجاه واسع الانتشار بين الأمريكيين يمكن قياسه، ومن المرجح أن يستمر تأثيره السلبي على العلاقات الثنائية الأمريكية الإسرائيلية ولوقت طويل.
هذا التحول بدأ عاطفيا، ولكنه ترسخ مع الوقت وكثافة الحراك حقيقة غير قابلة للتشكيك. يُظهر استطلاع مركز بيو في أكتوبر 2025م أن 59 % من الأمريكيين ينظرون إلى الحكومة الإسرائيلية نظرة سلبية، بزيادة ثماني نقاط عن عام 2024.
أما شبكة غالوب فتوصلت إلى أن نسبة التأييد لحرب إسرائيل في غزة انخفضت إلى أدنى مستوى لها على الإطلاق عند 32 %، بينما أبدى 48 % من الأمريكيين رفضهم القاطع لها.
صحيفة نيويورك تايمز من طرفها، وجدت في سبتمبر 2025م أن 35 % من الأمريكيين يؤيدون الفلسطينيين مقابل 34 % يؤيدون إسرائيل - وهي نسبة متقاربة، تتناقض مع عقود من الهيمنة المؤيدة لإسرائيل. التحول لم يعد حصرا على الهوامش وإنما وصل إلى التيارات الرئيسية، مدفوعًا بالأزمة الإنسانية في غزة.
يظل الديمقراطيون هم الأكثر انتقادًا إذ ينظر 70 % منهم إلى الفلسطينيين بشكل إيجابي، مع ارتفاع الآراء غير المواتية لإسرائيل إلى 69 %، وهذا ليس مجرد تغير طفيف، بل يمثل مؤشرا مقلقا جدا لم تتعود عليه إسرائيل.
ليس الديموقراطيون فحسب يعلنون حنقهم على إسرائيل، بل إن الشباب من الحزبين يقود التغيير؛ فبحسب معهد بروكينجز فإن الآراء السلبية ضد إسرائيل ترتفع بين شباب الجمهوريين إلى 50 %، وتصل بين الديمقراطيين الذين تقل أعمارهم عن 50 عامًا إلى نسبة 71 %، كما أن 60 % من الجيل Z يميلون إلى وجهة النظر الفلسطينية في الصراع. هذا التحول يشمل جميع شرائح المجتمع الأمريكي، بيض وملونون، مسلمون ومسيحيون وملحدون، بل حتى اليهود الأمريكيين ينقلبون على الرواية الإسرائيلية حيث يشير استطلاع رأي لواشنطن بوست إلى أن 61 % من اليهود الأمريكيين يعتقدون أن إسرائيل ارتكبت جرائم حرب في غزة، ووصفها 39 % بأنها إبادة جماعية، وعلى الرغم من الدعم الجمهوري بحوالي 60 %، فإن 58 % من الأمريكيين يدعمون الاعتراف بالدولة الفلسطينية، ويعارض 60 % زيادة المساعدات الأمريكية لإسرائيل.
كل المؤشرات تومئ إلى أنه ليس غضباً عاطفيا عابرا، وإنما تحول هيكلي في المزاج الشعبي الأمريكي، تصفه صحيفة الغارديان بأنه جذري ودائم، وفي الوقت ذاته تحذر بوليتيكو من نفور جيلي، وتعتقد هيئة الإذاعة العامة (PBS) إلى أنه سيتجاوز فترة الحرب ليشكل ما ستؤول إليه العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، التي رآها نائب الرئيس في حديث له بإحدى الجامعات الأمريكية قبل بضعة أيام بأنها علاقة تحكمها المصالح وليست رابطة دائمة.
على الرغم من أن لغة الأرقام بليغة وواضحة الدلالة، فإن هناك قدرا من التشكيك في قدرة هذا التحول على الصمود وصياغة مستقبل العلاقات الأمريكية الإسرائيلية والدفع بها نحو التوازن، ووضع مصالح أمريكا أولا. ويجادل البعض أن عودة حليمة لعادتها القديمة لا يتطلب سوى إبعاد نتنياهو وبن غفير وسموتيرش عن السياسة، ليكون ذلك مبررا لإعادة تأهيل إسرائيل في الداخل الأمريكي وتطبيعها في محيطها الجغرافي بمساندة وضغوط أمريكية.