د.عبدالحفيظ عبدالرحيم محبوب
تتجه السعودية لبناء نظام إقليمي متعدد المحاور يعزز سلاسل الإمداد العالمية، حيث تستفيد من موقعها الجغرافي الاستراتيجي لربط القارات الثلاث، بل تمتلك السعودية إمكانات تؤهلها بأن تصبح مركزا لوجستيا عالميا من خلال تطوير 59 مركزا لوجستيا بحلول عام 2030.
تتهيأ السعودية للعب دور محوري في مشروع اقتصادي ضخم يربط الهند بالشرق الأوسط وأوروبا، يتوقع أن يشكل هذا الممر ملامح التجارة الدولية، ويفتح آفاق جديدة للطاقة والاستثمار والخدمات اللوجستية يتماشى مع رؤية 2030 يعزز مكانة السعودية بوصفها مركزا عالميا للنقل والتجارة، وهو مشروع أعلن عنه سمو الأمير محمد بن سلمان ولي العهد في قمة مجموعة العشرين في نيودلهي عام 2023 بمذكرة تفاهم جمعت كلا من السعودية والولايات المتحدة والهند والإمارات وفرنسا وألمانيا وإيطاليا والاتحاد الأوروبي (IMEC) بهدف إنشاء ممر اقتصادي يختصر الزمن والتكاليف.
يربط المشروع ثلاث قارات ببنية تحتية متقدمة تشمل سككا حديدية، وموانئ بحرية، وأنابيب طاقة، وكابلات بيانات، ووفق تصريح الأمير عبد العزيز بن سلمان وزير الطاقة ان السعودية كانت المبادرة بصياغة مشروع الممر، حيث تعكس الدور الريادي للسعودية في تعزيز الربط اللوجستي الدولي، وقيادتها لمشروع الممر الاقتصادي الهندي الشرق أوسطي الأوروبي، باعتبار أن السعودية في قلب هذا الممر، وهي مؤهلة للعب دور محوري في قطاع التكنلوجيا العالمي، إضافة إلى قيادتها للتحول نحو الهيدروجين النظيف ومصادر الطاقة البديلة.
طبعا هناك تحديات جيوسياسية فاقمت حالة عدم اليقين السياسي والاقتصادي ما جعل أوروبا تقود فرنسا بالشراكة مع السعودية لإقامة الدولة الفلسطينية التي تتغذى عليها الاضطرابات في المنطقة على رأسها ما يسمى بمحور المقاومة، خصوصا وأن الممر يمر عبر مدينة حيفا يمثل نقطة حساسة يشجع إسرائيل هي الأخرى بقبول الدولة الفلسطينية، رغم محاولاتها التطبيع بدون إقامة دولة، لكن السعودية ترفض ذلك، ويمكن أن تجد السعودية مسارات بديلة في البحر المتوسط، خصوصا بعد تحرير سوريا، هناك نقطة أخرى مهمة جدا تتعلق بصعوبات تأمين تكاليف تطوير البنية التحتية في ظل انخفاض أسعار النفط عن مستوياتها قبل عامين ما يعطي لأوبك بقيادة السعودية مبررا بجعل الأسعار تخدم المنتجين والمستهلكين.
على صعيد المواقع الجغرافية فإن السعودية تقع بين مضيقي هرمز وباب المندب وتمر منها 12% من التجارة العالمية وهذه المضايق تتعرض لاضطرابات جيوسياسية من حين لآخر، ومن جانب آخر بطئ التجارة عبر البحر التي تستغرق أكثر من عشرة أيام يمكن اختصارها إلى نحو 48 ساعة، وهو ما يعزز الحاجة إلى ممر بديل وآمن يربط الهند وآسيا بأوروبا مرورا بالخليج يتجنب الاضطرابات الجيوسياسية وتأخر سلاسل الإمدادات، ففي حالة الأزمات الدولية يمكن نقل الطاقة للعالم من موانئ رأس الخير على الخليج العربي ومن نيوم على البحر الأحمر سيزيد من كفاءة نقل الطاقة، وتسريع نمو الصناعات التصديرية، الذي يعزز من فرص تنويع الاقتصاد السعودي، ويمنحها دورا استراتيجيا ضمن هذا المحور الحيوي، لتعزيز المرونة التجارية، وبشكل خاص في زمن الأزمات الإقليمية والعالمية التي قد تؤثر على الممرات البحرية، والذي يمثل تحولا جذريا في منظومة النقل الإقليمي والدولي.
تراهن السعودية على موقعها الجغرافي لحل أزمة الضغوط على سلاسل الإمداد المتقطعة التي أثرت على الصناعة العالمية، فهي تعيش عصر التحول الجديد، فنجد لاري فينك الرئيس التنفيذي لأكبر أصول في العالم Black Rock التي تدير أكثر من 9 تريليونات دولار في العالم يتحدث في مؤتمر مستقبل الاستثمار في الرياض في 29 نوفمبر 2025 بان السعودية تحولت من مستقبل للاستثمار إلى منتج للفرص، ومن بيئة جذب إلى وجهة قرار، وختم بقوله الطلب على الاستثمار في السعودية يفوق المعروض بخمسة أضعاف، بسبب ان السعودية تحولت إلى مركز لصناعة السياسات وتعزيز الثقة حتى أصبحت مركز للجدوى المستدامة، فالسعودية هي موقع القيادة الاقتصادية العالمية القادم، فالرحلة مستمرة، والوجهة ملهمة، فالعالم في السعودية في إكسبو 2030 وفي كأس العالم في 2034 وقبلها في الألعاب الشتوية في 2029 في أتروجينا في نيوم.
تطمح السعودية لتدخل ضمن أفضل 10 دول في مؤشر الأداء اللوجستي العالمي، من 38 في 2023 بعد تقدمها 17 مرتبة، وتستهدف زيادة الطاقة الاستيعابية للموانئ إلى 40 مليون حاوية قياسية، مرتفعة من 11.38 مليون حاوية في 2023، ورفع قدرات الشحن الجوي إلى أكثر من 4.5 مليون طن، مرتفعة من 1.2 مليون طن، وإيصال حركة الركاب إلى 330 مليون مسافر عبر مطارات السعودية، من 128 مليون راكب في 2024.
تود السعودية إلى جعل منطقة الشرق الأوسط مركزا عالميا للنقل والخدمات اللوجستية، يهدف هذا التحول إلى إنشاء نظام إقليمي متعدد المحاور يعزز ويدعم سلاسل الإمداد العالمية، يبلغ حجم الاستثمارات الموجهة في قطاع النقل والخدمات اللوجستية خلال الفترة ما بين 2023 و 2034 نحو 1.6 تريليون ريال عبر شراكات مع القطاع الخاص وعدد من الدول.
تسعى السعودية لتعزيز النقل البري والخدمات اللوجستية من خلال مشروعين ضخمين في مجال السكك الحديدية؛ الأول الجسر البري لربط شرق السعودية بغربها، وستتوسع شبكة السكك الحديدية ب8 آلاف كيلو متر إضافية من خلال المشروع، بالإضافة إلى مشروع آخر وهو الربط الخليجي الذي سيربط دول مجلس التعاون الخليجي بشبكة قطارات حديثة.
** **
- أستاذ الجغرافيا الاقتصادية والسياسية بجامعة أم القرى سابقا