صالح الشادي
حينما تُذكر الرياض في الأذهان اليوم، لم تعد تلك الصورة القديمة لمدينة صحراوية بسيطة تتبادر إلى الذهن، بل إنها تختزل قصة تحول مدهش، قصة عشق وتخطيط وإصرار، تحوّلت فيها من واحة مترامية الأطراف إلى عاصمة عالمية تخطف الأنفاس.
لقد شهدت هذه المدينة مسيرة تطور غير عادية، يمكن تتبعها من خلال عين الراصد الذي تابعها عقباً بعد عقب. فمنذ السبعينيات والثمانينيات الهجرية، والرياض تشهد تحولات جذرية في بنيتها العمرانية ونسيجها الاجتماعي. كل زيارة كانت تكشف عن وجه جديد، وكل إقامة كانت تُظهر اتساعاً عمرانياً وتدفقاً سكانياً متزايداً، مع هجرات متتالية شكلت نسيجها السكاني المتنوع. لقد كانت تشبه كائناً حياً ينتقل من الطفولة إلى النضج في رحلة متسارعة.
في سبعينيات القرن الماضي، تناولت التقارير الصحفية حينها موضوع الهجرات الداخلية، ولاسيما هجرة المزارعين إلى العاصمة الناشئة، في وقت لم يكن عدد سكانها يتجاوز بضعة مئات الآلاف. أذكر منها تقريراً كتبه الإعلامي دواود الشريان في مجلة اليقظة.. كانت تلك الحقبة تمثل بداية التحول، حيث بدأت ملامح المدينة الحديثة تتشكل رويداً رويداً.
اليوم، لم تعد الرياض مجرد مدينة، بل أصبحت نموذجاً للحاضرة المؤنسنة، التي تحتضن سكانها بلطف ودفء. إنها تحفة عمرانية تجسد الجهد العظيم والتخطيط الدقيق الذي أولته لها الحكومة الرشيدة. فمن وديانها إلى أحيائها، ومن مرافقها إلى شوارعها، كل شيء صمم بعناية لتوفير بيئة حية تليق بمن يسكنها أو يزورها. لقد تجاوزت مفهوم المدينة التقليدي لتصبح فضاءً إنسانياً يقدم العناية والاحتواء، وكأن ساكنها أو زائرها يعيش في منزل ضخم يوفر له كل ما يحتاجه.
ومع هذا التسارع المذهل، برزت تحديات طبيعية كحركة السير والتزاحم، نتيجة طبيعية للنمو السكاني والوافدين المتزايدين. لكن هذه التحديات لم تُعطّل مسيرة التطور، بل أطلقت العنان للإبداع في البحث عن الحلول. فبدأنا نرى أفكاراً مبتكرة تتراوح بين توسعة الطرق، وبناء الكباري متعددة الأدوار، وحفر الأنفاق بين الأحياء، وتطوير وسائل نقل ذكية، بل وحتى التفكير في حلول جوية. كما بدأ التوجه في التفكير نحو إعادة تنظيم أوقات العمل والدراسة لتخفيف الضغط.
هذه الحلول ليست سوى جزء بسيط من طموح رؤية 2030 التي يقودها المجدد الملهم سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان والتي تضع الرياض في مصاف العواصم العالمية الكبرى. فالخير قادم، والأجمل آتٍ لا محالة. فتحت مظلة هذه الرؤية، ستستمر الرياض في استضافة الفعاليات الدولية، وتعزيز انتعاشها الاقتصادي، وترسيخ مكانتها كوجهة عالمية.
إن ما تشهده الرياض اليوم من جمال وتطور ليس سوى البداية. فالقادم يحمل صوراً أكثر بهاءً وعذوبة، مما يجعلنا على ثقة بأن هذه المدينة الساحرة، أيقونة الصحراء وسيدة الشرق الفخمة، ستظل تخطف القلوب وتسرّي عن النفوس، وتقدم نموذجاً فريداً للحضارة الإنسانية في العصر الحديث.