كوثر فارس
بين الركام، وقف الطفل وحيدًا، عيناه تبحثان عن شيء لا يعرفه: طيف أمان مفقود أم حلم لم يُولد بعد. كل حجر أمامه كان همسًا من الماضي، وكل غبار يلتصق بوجهه يحمل طعم الخوف. أغمض عينيه للحظة، وتجرأ خياله على رفع قلبه فوق أصوات الانفجارات، يرسم لنفسه طريقًا من نور بين أنقاض الدمار، طريقًا قد يعيده إلى ضوء طفولته التي ضاعت بين الرماد.
وفي غفوة خاطفة، حيث تختلط الأماني بالآمال، انطلق الطفل في رحلة داخلية، متخيلاً قطارًا يمر فوق المدن المدمرة، يحمل له صدى البراءة الضائعة، ويحلق فوق فضاءات هادئة، خالية من صخب الانفجارات، حيث يلتقي النور بأطياف الذكريات، فوق مدن يغسلها المطر، وتتنفس فيها الأزقة أثر خطوات الطفولة التائهة.
وبين كل مشهد ومشهد، كان يهمس في صمت قلبه: هل يسمع أحد أنيني؟ هل سيصل صراخي كما تصل دماء بلدتي؟ هل ما زال لي حق في طفولتي؟
ومع نهاية هذه الرحلة الداخلية، شعر الطفل بأن خيوط خياله تشكل خريطة طريق تقوده إلى تجربة حقيقية، حيث ستتحول رحلته الخيالية إلى واقع ملموس، ليجلس بعد قليل..
على متن قطار النزوح الطويل، بين حطام الماضي وغموض المستقبل، يستلقي على المقعد الضيق اخيرا، يحدق عبر النافذة في الأشجار التي تتعاقب بسرعة، ويكاد يسمع صدى بيته الممزق في كل ركن. يشعر بثقل الخوف والحنين، لكنه يلتقط شرارة صغيرة من الضوء الداخلي، شعور يهمس له بأن الطريق لم ينته بعد، وأن الحياة قد تُعيد إليه بعضًا من براءته المهدورة. ليس مجرد وعد بالكلمة، بل إعلان داخلي بأنه، رغم كل الخراب، سيحاول البناء من جديد، وأن العالم لا يزال يحمل إمكانية لإعادة ما فقد.
ومع توالي المشاهد في السودان، تتكثف الصورة لتكشف مأساة لا يختصرها عنوان ولا تحتويها نشرة أخبار. فبينما تلتهم الحرب مساحات الطفولة، تتلاشى الملامح البريئة في وجوه الصغار الذين اعتادوا رؤية السماء بلون الرماد. في هذا السياق، تُصدر «منظمة اليونيسف في تقريرها لعام 2025» أرقامًا صادمة: أكثر من «14 مليون طفل يعانون من انعدام الأمن الغذائي»، وأكثر من «3 ملايين نزحوا داخليًا» بحثًا عن مأوى يحميهم من الجوع والعنف. لكن الدراسة، رغم دقتها الإحصائية، لم تستطع تحليل الأبعاد النفسية والاجتماعية لهذا الانهيار، ولم تلتقط التفاصيل التي تختبئ خلف الأرقام: «نظرات الجوع في عيون الأطفال، أصواتهم حين يسألون أمهاتهم عن المدرسة، أيديهم الصغيرة التي تبحث عن ألعاب بين الركام.»
هنا، تتحول الأرقام من مجرد مؤشرات إلى «وجوه حقيقية»؛ كل رقم يحمل قصة صبي يفتش عن دفتره المحترق، أو فتاة تحاول تذكّر أسماء صديقاتها اللواتي افترقن في دروب النزوح. ومع كل محاولة لفهم هذا الواقع، يزداد الإدراك بأن ما يعيشه أطفال السودان ليس مجرد أزمة إنسانية، بل «تجريد بطيء لمعنى الطفولة نفسها».
داخل مخيمات النزوح المنتشرة على أطراف البلاد، يصبح الخوف جزءًا من اللغة اليومية. تهمس الأمهات لأطفالهن عند الغروب: «اصمتوا، فالقصف قريب»، بينما يحاول الأطفال التظاهر باللامبالاة، يركضون حفاة في طرق موحلة، يضحكون للحظات قصيرة قبل أن يعودوا إلى مواجهة الفراغ. إنهم يعيشون على حافة المجهول، «يختبرون الصراع بين الغريزة التي تدفعهم للحياة، والواقع الذي يصر على قتل أحلامهم.»
وفي قلب هذا المشهد الإنساني، تخترق الحرب أعماق النفوس، تاركة ندوبًا خفية تثقل الصدر والروح، فتتلاشى براءة الطفولة في عين الطفل، ويختلط خوفه بالحنين إلى ما كان، بينما الكبار حوله يئنون بصمت تحت وطأة الانكسار.
يصبح كل يوم مسرحًا للصراع بين البقاء والهروب، وكل ابتسامة تتألق كنجمة وحيدة في سماء غائمة بالرماد. ومع ذلك، في طيات هذا الألم، تتلألأ شرارات من الحياة، تهمس بأن القلب لا يستسلم بسهولة، وأن الطفل، رغم الرعب والفراغ، يحمل بداخله القدرة على التمسك بالأمل والبحث عن ما يضيء الظلام من حوله. ومع امتداد هذه الحكايات، يتلاقى البعد النفسي مع البعد الإنساني في مشهد واحد: الأهالي يشاركون ما لديهم من طعام ودفء، يعلمون الأطفال معنى التضامن والمقاومة، فينشأ مجتمع صغير، هش لكنه مليء بالرحمة والدفء، يعكس إرادة الإنسان التي تصر على الحياة رغم الانكسارات، ويثبت أن الندوب نفسها يمكن أن تتحول إلى شعاع يقودهم نحو الفهم العميق للوجود ورؤية بصيص الأمل في أصغر التفاصيل.
ومن هنا، يتقاطع الواقع الاجتماعي بالبعد القانوني في مشهد متناقض؛ فبينما تنص «اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989» وبروتوكولاتها الاختيارية على حماية الأطفال من الاستغلال والتجنيد، وعلى ضمان حقهم في التعليم والصحة والأمن، فإن الواقع السوداني يكشف عن «فجوة واسعة بين النص القانوني والتطبيق العملي».
ففي الوقت الذي ترفع فيه المؤسسات الدولية شعارات «الطفولة أولًا»، نجد أطفالًا يُجبرون على حمل السلاح، وآخرون يُساقون إلى أعمال قسرية، بينما يتيه بعضهم بلا هوية أو أوراق رسمية. إن «القانون هنا يتحول إلى وعد مؤجل»، إلى وثيقة نبيلة لا تجد من يحميها. ومع ذلك، كل خطوة نحو تطبيق الاتفاقيات - مهما كانت محدودة - تمثل ضوءًا صغيرًا في نفق الحرب. حين تُسجَّل ولادة طفل جديد في مخيم، أو تُفتح مدرسة مؤقتة من خيمة، يكون ذلك إعلانًا رمزيًا بأن «الحق لا يزال حيًا رغم الخراب.»
على القطار الذي يشق طريقه نحو الحدود، تمتد الرحلة لتصبح رمزًا للوجود الإنساني في أكثر حالاته هشاشة. الطفل الذي رأيناه في البداية ما زال على المقعد ذاته، لكنه هذه المرة يحمل في عينيه سؤالًا أعمق من الحنين: هل الرحيل هو الهروب من الموت أم بحث عن حياة جديدة؟ ينظر إلى وجه أمه، إلى أخيه النائم على صدرها، ويشعر بثقل العالم كله على كتفيه الصغيرتين. خارج النافذة، تتغير المشاهد بسرعة - الأشجار، الحقول، والمدن الغريبة - لكن داخله، كل شيء ثابت: صورة البيت المهدّم، رائحة الخبز في الصباح، صوت الجيران قبل أن يصمتوا إلى الأبد. ومع كل اهتزاز للقطار، يشعر بأنه يبتعد عن ذاته القديمة، عن الطفل الذي كان يركض في الحي، عن العالم الذي عرفه. لكن في عمق الصمت، تنبض في داخله تلك الكلمة القديمة: «سأعود.» ليست وعدًا بالرجوع إلى المكان فحسب، بل «عودة إلى المعنى»، إلى ذاته التي تصرّ على النجاة من الانكسار. فربما العودة ليست إلى الوطن الجغرافي، بل إلى وطنٍ أوسع: الوطن الذي نصنعه من الحلم والإرادة، الوطن الذي لا تقتله الحروب.
وبين صخب القذائف وضجيج الركام، تتحول لحظات الصمت في داخله إلى «تأملات صغيرة في الوجود». ينظر إلى السماء التي تتلوّن بلون المغيب، كأنها تخبره أن وراء كل ظلام فجرًا مؤجلًا. يسأل نفسه بصوت خافت: هل سأعود كما كنت؟ أم سأعود مختلفًا؟ هل العودة ممكنة حقًا بعد أن فقدت الطفولة شكلها؟ وربما، في مكان ما من قلبه، يعرف أن العودة لا تعني الرجوع، بل «القدرة على البدء من جديد.»
مع نهاية الرحلة، حين يتوقف القطار عند حدود لا يعرف اسمها، يفتح الطفل عينيه على عالم آخر. لا قصف هنا، لكن الخوف يسكن الوجوه، والغربة تُحيط به من كل جانب. تلتقطه منظمة إغاثة، تمنحه بطانية وبعض الماء، لكنه ما زال يشعر بالبرد. ليس برد الجسد، بل برد الفقد. ومع ذلك، حين ينام في تلك الليلة، يرى حلمًا بسيطًا: يرى نفسه يركض في حارته القديمة، يسمع أصوات أصدقائه من بعيد، يلمح أمه تلوّح له من الشرفة، ثم يستيقظ مبتسمًا - للمرة الأولى منذ زمن. وهنا، يتجاوز النص حدود المأساة، ليلامس «الاحتمال الإنساني للعودة». فحتى حين تُهدم البيوت وتُمحى المدن، يبقى في قلب الطفل ما لا يمكن قصفه: الإصرار على الحلم. هذه الكلمة التي قالها في البداية، «سأعود»، لم تعد مجرد جملة عابرة، بل أصبحت «وصية الطفولة»، عنوانًا للكرامة الإنسانية، وإعلانًا بأن الإنسان يستطيع إعادة بناء العالم من رماد الخراب.
وفي الختام، يبقى السؤال مفتوحًا بين السماء والأرض، بين الركام والرحيل، وبين الحلم والذاكرة: هل العودة الحقيقية هي إلى المكان الذي غادرناه، أم إلى «الذات التي فقدناها في طريق النزوح؟» ربما الإجابة ليست في نهاية الطريق، بل في كل خطوة يخطوها الطفل نحو الضوء، حاملًا في صدره وعدًا صامتًا، ينبض بالأمل: «سأعود.»
** **
- باحثة قانونية وحقوقية وسفيرة النوايا الحسنة