د.عبدالعزيز النخيلان
يتأثر الناس ببعضهم البعض، ويتغيرون بمن يخالطونهم، فيتبادلون الثقافات والعادات والقناعات بشكل مباشر أو غير مباشر. ومع مرور الزمن، تغيَّرت أساليب التأثير والتغيير، فأصبحنا أكثر اختلاطًا واحتكاكًا بالآخرين عبر شاشاتنا الصغيرة، المتاحة بأيدينا وأمام أعيننا على مدار الساعة، حتى بات التأثير سريعًا ومباشرًا.
ومع تطور التقنية، نشأت تطبيقات التواصل الاجتماعي التي خلقت سوقًا واسعًا لا حدود له، امتلأ بالمشاهير، وكلٌّ يعرض بضاعته بطريقته الخاصة.
ورغم ما يُقال عن سلبيات هذا السوق الواسع، إلا أن من الإنصاف أن نُبرز جانبه الإيجابي أيضًا. فقد أسهم بعض المشاهير في نشر ثقافة بلدانهم وما تحمله من قيم نبيلة كحسن الخلق والكرم واحترام الآخرين، إضافةً إلى تعريف المجتمعات الأخرى بعاداتٍ وتقاليدٍ كانت يومًا ما حبيسة المدن والمناطق الصغيرة.
كما برز عدد من الشباب الذين كوّنوا مجموعاتٍ يقدمون من خلالها محتوى فكاهيًا راقيًا، يعتمد على سيناريوهات خفيفة الظل تحمل بين طياتها رسائل إيجابية، دون أن تخرج عن إطار الأدب واللباقة واحترام المشاهدين بمختلف أعمارهم. وقد استطاع هؤلاء أن ينتشروا بلا حدود، ليصل تأثيرهم إلى أبعد من منطقتنا الخليجية نحو معظم الدول العربية. ومن هنا، من مدينة حائل تحديدًا، بزغت نماذج مشرِّفة من المشاهير الذين ساهموا في تعريف الآخرين بلهجتنا الحائلية الأصيلة، وبعادات الضيافة المتجذِّرة في مجالسنا، وبأكلاتنا الشعبية وأساليب إعداد القهوة السعودية وتقديمها. وهكذا، تحولوا إلى سفراء غير رسميين لثقافة المنطقة وهويتها المميزة.
لكن في المقابل، لا يخلو هذا السوق من السلبيات. فكما أن فيه من يسعى للبناء والإلهام، فيه أيضًا من اتخذ الشهرة غاية لا وسيلة، فابتعد عن القيم والرسائل الهادفة، وركَّز على جذب الانتباه بأي ثمن، خصوصًا من أولئك الذين يشعرون أن السوق قد اتسع، ولم تعد بضاعتهم تجد من يشتريها بعد أن كسدت، رغم رواجها في زمنٍ كان الإعلام التقليدي فيه هو السائد. فبعضهم تناسى حدود الذوق العام والأدب، وانشغل بتقليد الآخرين أو إثارة الجدل لمجرد زيادة المتابعين، حتى أصبح «الترند» هدفًا بحد ذاته، لا أداةً لنقل فكرة أو قيمة. وهكذا، كما تتسع الأسواق لكل أنواع البضائع، أصبح «سوق المشاهير» يضم النافع والضار، والمفيد والعابر.
وكما كان الفنان الراحل حسين عبدالرضا في مسلسله الشهير «سوق المقاصيص» يجسد مشاهد السوق الذي يلتقي فيه مختلف الناس -من الصادق إلى المحتال، ومن التاجر الأمين إلى من يبحث عن الشهرة والربح السريع- نجد اليوم أن المشهد يتكرر بصورة عصرية داخل «سوق المشاهير».
فقد تغيَّر المكان والزمان، لكن المضمون واحد؛ فالمتاجر القديمة استُبدلت بالشاشات، والبضائع صارت مقاطع وصورًا وأفكارًا تُعرض أمام الملايين. وكما كان المتسوِّق قديمًا يختار بعقله ما يشتري، أصبح على المتابع اليوم أن يختار بعقله أيضًا من يتابع، ومن يمنحه وقته وتأثره.
فكل الشكر والامتنان لأولئك المشاهير من أفرادٍ ومجموعات، الذين استطاعوا أن يدخلوا قلوب الناس وينشروا كل ما هو جميل عن أخلاقنا وعاداتنا وتقاليدنا، وعن بلداننا ووطننا الغالي المملكة العربية السعودية، بأساليبهم الخاصة؛ العلمية الجادة والاجتماعية الواقعية والفكاهية المرحة وغيرها، دون المساس بالقيم أو استفزاز الناس بالمجاهرة والمفاخرة بهدف جذب أكبر عددٍ من المتابعين أو تحقيق المكاسب المادية مهما كان الثمن.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «تكلَّموا تُعرَفوا، فإنَّ المرءَ مخبوءٌ تحت لسانه.»
فكم من كلمة طيِّبة رفعت صاحبها، وكم من أسلوب راقٍ فتح قلوب الناس قبل عقولهم، وجعل من الشهرة وسيلة للبناء لا للهدم.