د. الجوهرة بنت فهد الزامل
تحولت مكافحة الفساد في المملكة إلى مشروع وطني إستراتيجي يعزز النزاهة والعدالة، ويعكس التزام القيادة بتحقيق أهداف رؤية 2030 للتنمية المستدامة. وفي ظل التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة، باتت النزاهة ركيزة رئيسة في إعادة صياغة العقد الاجتماعي، وتثبيت مكانة السعودية كقوة اقتصادية إقليمية وعالمية.
فيما يتعلق بالقيادة والإرادة السياسية، فإن عهد الحزم والعزم بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز - حفظه الله -، وولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان - عراب رؤية 2030 -، لم تعد مكافحة الفساد مجرد مطلب إداري أو شعار سياسي، بل أصبحت مشروعا وطنيا شاملا يلامس جوهر الدولة الحديثة. هذا التحول الإستراتيجي يعكس إرادة سياسية جادة في بناء بيئة قائمة على النزاهة والشفافية والعدالة، بما يترجم مباشرة إلى تعزيز الثقة بين المواطن والدولة، وترسيخ صورة المملكة إقليميا ودوليا كدولة إصلاح وتنمية مستدامة. وفي هذا السياق، أكد سمو ولي العهد في تصريح خلال مقابلة تلفزيونية على قناة MBC عام 2017 على مبدأ «لا حصانة»، مشيرا إلى أن الملك سلمان أحدث تغييرات في هيئة مكافحة الفساد في أول يوم تولى فيه الحكم، استشعارا منه لأهمية دور الهيئة وعدم رضاه عن الدور الذي تقوم به، وأكد سموه قائلا: «لن ينجو أي شخص دخل في قضية فساد أيا من كان، لن ينجو سواء كان وزيرا أو أميرا أو أيا كان، أي أحد تتوافر عليه الأدلة الكافية سوف يحاسب»، مما يجسد التزاما يتجاوز المناصب والعلاقات، ليصبح أساسا للحوكمة الرشيدة.
أما البعد المؤسسي الذي يعكس إرادة لا تعرف الاستثناء، فيأتي منذ انطلاق رؤية 2030، حيث وضعت المملكة تعزيز الشفافية ومكافحة الفساد ضمن أولوياتها الكبرى. فبموجب المرسوم الملكي رقم (م/37) بتاريخ 4-5-1439هـ، أنشئت هيئة الرقابة ومكافحة الفساد (نزاهة) لتكون الذراع المؤسسي الرئيس في متابعة النزاهة وحماية المال العام. وقد أسفرت الجهود عن متابعة آلاف القضايا، واسترداد مليارات الريالات، إضافة إلى تلقي أكثر من 165 ألف بلاغ حتى 2023، منها ما يقارب 19 ألف بلاغ في عام واحد، وأكثر من نصفها متصل بالرشوة. هذه المؤشرات تعكس تزايد وعي المجتمع وفاعلية القنوات الرقمية التي أطلقتها الهيئة، حيث تجاوزت نسبة التبليغ الإلكتروني 29 % مقارنة بالحضور الشخصي. المبدأ الذي رسخته القيادة هو أن لا أحد فوق النظام، وهو ما برز في مساءلة مسؤولين وموظفين من مختلف المستويات، بما يعزز مصداقية الدولة داخليا وخارجيا. كما امتدت الجهود لتعزيز الشراكات مع القطاعات الحيوية مثل الخطوط السعودية عبر لجان حماية النزاهة، تأكيدا على أن المكافحة ليست إجراء منفردا بل منظومة شاملة.
وفي سياق الأثر الاجتماعي والقيمي الذي يعزز الثقة والعدالة والشراكة المجتمعية، يعد الفساد ليس خللا ماليا فحسب، بل تهديد مباشر للنسيج الاجتماعي. من هنا، فإن مكافحة الفساد في السعودية حملت بعدا اجتماعيا عميقا، أعاد صياغة العلاقة بين المواطن والدولة على أسس أكثر عدالة وشفافية. هذه الجهود أسهمت في تعزيز العدالة الاجتماعية عبر توزيع الموارد العامة بشكل منصف، وإرساء الثقة بين الدولة والمجتمع، بما يعزز الانتماء الوطني ويرسخ شعور المسؤولية المشتركة. إعلان القضايا بشفافية في وسائل الإعلام الرسمية شكل عاملا نفسيا مهما، حيث أدرك المواطن أن الالتزام بالنزاهة يحمي الحقوق ويضمن تكافؤ الفرص.
كما أن ترؤس ولي العهد للجنة العليا لمكافحة الفساد يجسد مركزية هذه القضية في مسار الإصلاح الوطني، ويظهر أن المعركة ضد الفساد ليست قضية إدارية، بل خيارا إستراتيجيا يخص المجتمع بأسره.
تستمد المملكة إستراتيجيتها في مكافحة الفساد من عمقها الديني والثقافي، فالنصوص الشرعية صريحة في التحذير من أكل أموال الناس بالباطل، كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}، والموروث الاجتماعي يرفع من شأن قيمة الأمانة والعدالة. من هذا المنطلق، فإن مكافحة الفساد ليست مجرد سياسة، بل استعادة للقيم الأصيلة في المجتمع السعودي.
كما أولت الدولة أهمية للتوعية المجتمعية، فأطلقت برامج تعليمية وتدريبية، وفعلت نوادي النزاهة في الجامعات، وشاركت بفاعلية في اليوم الدولي لمكافحة الفساد الذي تقوده الأمم المتحدة. هذه المبادرات لا ترسخ القيم على مستوى المؤسسات فقط، بل تجعل النزاهة ثقافة يومية مترسخة لدى الأفراد، خصوصا الشباب. لا يمكن لأي دولة أن تنجح في مكافحة الفساد دون مجتمع متفاعل، لذلك شجعت القيادة المواطن ليكون عينا راصدة، والإعلام منبرا للمساءلة، والمؤسسات التعليمية فضاء لغرس القيم. تنامي البلاغات الإلكترونية، وارتفاع نسب المشاركة المجتمعية، يعكسان هذا التوجه، فالمجتمع لم يعد متلقيا للقرارات فقط، بل شريك فاعل في صياغتها وحمايتها. هذه المنظومة تجعل من مكافحة الفساد مسؤولية جماعية، تعزز مناعة المجتمع ضد الممارسات السلبية، وتعيد صياغة القيم الوطنية في إطار عملي يلامس حياة الناس.
أما البعد التنموي الذي يربط النزاهة بالتقدم الاقتصادي، فيظهر أن الشفافية ليست قيمة أخلاقية فحسب، بل أداة تنموية. في الاقتصاد الحديث، تقاس جاذبية الدول بقدرتها على توفير بيئة أعمال عادلة ومستقرة. ومن هذا المنطلق، جعلت المملكة مكافحة الفساد شرطا أساسيا لتحقيق مستهدفات رؤية 2030، سواء في تنويع الاقتصاد، أو في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة. المستثمر الدولي يضع النزاهة المؤسسية والاستقرار القانوني معيارا أوليا قبل ضخ رؤوس الأموال. وبفضل الجهود المؤسسية، ارتفعت ثقة بيئة الأعمال في المملكة، وهو ما انعكس على جذب استثمارات بمليارات الدولارات في قطاعات إستراتيجية مثل الطاقة المتجددة، والتقنيات الرقمية، والقطاع اللوجستي. التكامل بين مكافحة الفساد والتحول الرقمي عزز الكفاءة، فأنظمة الإبلاغ الرقمية وتحليل البيانات لم تسهم فقط في كشف المخالفات، بل جعلت من الرقابة عملية استباقية، تدعم مناخا اقتصاديا أكثر أمانا واستدامة.
وفيما يتعلق بالبعد الدولي والإستراتيجي، فقد تجاوزت جهود المملكة حدود الداخل، لتصبح جزءا من التزاماتها الدولية. فقد وقعت السعودية على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، وشاركت بفاعلية في مبادرات مثل اتفاق مكة المكرمة، وأسهمت بدور قيادي في منظمة التعاون الإسلامي. هذه المشاركة تعكس رغبة المملكة في أن تكون شريكا إستراتيجيا في صياغة معايير النزاهة العالمية. كما أن التحسن المستمر في المؤشرات الدولية للشفافية يعزز صورة المملكة كدولة مسؤولة إقليميا ودوليا، قادرة على قيادة حوارات الإصلاح المؤسسي، ودعم أهداف التنمية المستدامة، وترسيخ دبلوماسية النزاهة كأحد أبعاد قوتها الناعمة.
أخيرا، يكشف التحليل المتعمق للجهود السعودية أن مكافحة الفساد ليست جهدا معزولا، بل عملية إصلاح متكاملة تمس أبعادا عدة:
المؤسسي: ترسيخ مبدأ سيادة القانون والرقابة بلا استثناء؛
الاجتماعي: إعادة بناء الثقة وتعزيز تكافؤ الفرص؛
الاقتصادي: تحفيز الاستثمارات وتحسين بيئة الأعمال. هذه الأبعاد انعكست على مؤشرات عالمية مثل مؤشر مدركات الفساد (CPI) الذي تقيسه منظمة الشفافية الدولية، والذي يربط مباشرة بين مكافحة الفساد وجاذبية الاقتصاد. وبقدر ما تواصل المملكة تحسين ترتيبها - حيث بلغت 59 نقطة في 2024 - تزداد قدرتها على المنافسة وجذب رؤوس الأموال الأجنبية، مما يجعل النزاهة جزءا من إستراتيجيتها الاقتصادية الدولية. ويسهم ذلك في دعم نمو غير نفطي مستدام يصل إلى 5 % سنويا بحلول 2030، مما يعزز التنويع الاقتصادي ويحقق أهداف رؤية 2030.
إن تعزيز النزاهة في جميع مؤسسات الدولة وتحويلها إلى معيار للسياسات الاقتصادية والاجتماعية سيكون الركيزة الأساسية لتحقيق أهداف رؤية 2030 وضمان الثقة الوطنية والدولية.
مكافحة الفساد في السعودية ليست حملة ظرفية ولا مجرد سلسلة إجراءات قانونية، بل هي مشروع وطني إستراتيجي يعكس رؤية القيادة لبناء دولة حديثة قائمة على العدالة والشفافية والحوكمة الرشيدة. هذا المشروع لا يحمي المال العام فحسب، بل يصون العدالة الاجتماعية، ويعزز الثقة بين المواطن والدولة، ويهيئ بيئة اقتصادية جاذبة ومستدامة. كما يربط الداخل بالخارج، ليجعل من المملكة نموذجا إقليميا ودوليا في النزاهة والإصلاح المؤسسي.
إن ترسيخ النزاهة في المملكة ليس غاية بحد ذاته، بل وسيلة لتحقيق التنمية المستدامة، وضمان مستقبل تبنى فيه الثقة على أساس الشفافية، وتصبح العدالة قيمة عليا لا مساومة عليها. وهو بذلك يضع المملكة على مسار راسخ نحو المستقبل، حيث النزاهة ثقافة، والتنمية هدف، والعدالة مبدأ فوق كل اعتبار.