أحمد آدم
الرئيس السوفيتي ميخائيل جورباتشوف وسياسة البيريسترويكا التي أطلقها في الاتحاد السوفيتي في منتصف الثمانينيات كانت فترة تحولات جذرية ومهمة في التاريخ الحديث، فجورباتشوف كان يسعى إلى إصلاح النظام السوفيتي الذي كان يعاني من مشاكل اقتصادية وسياسية واجتماعية عميقة، وكانت سياسات البيريسترويكا (إعادة الهيكلة الاقتصادية) والجلاسنوست (الانفتاح السياسي) تهدف إلى تحديث النظام وجعله أكثر كفاءة وشفافية، ولكن كانت النتيجة لهذه الإصلاحات التي خرجت عن السيطرة بسبب مقاومة قوى محافظة وتراكم المشاكل الداخلية أن تفكَّك الاتحاد السوفيتي وبالتالي انهارت الاشتراكية وصعدت الولايات المتحدة كقوة عظمى منفردة؛ وكان صعودها نتيجة طبيعية لانهيار القوة المنافسة وتحول نظام القوى العالمي من نظام القطبية الثنائية إلى نظام أحادي القوى هيمنت فيه الولايات المتحدة على ميزان القوى العالمي بلا منازع، إلا أن تولي ترامب لسدة الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية في 20 يناير من هذا العام، ومن خلال نهجه أمريكا أولاً وتقويض التحالفات التقليدية يدفع بشكل غير مباشر نحو نهاية هذا النظام الأحادي القوى بخلق حالة من عدم اليقين والضغط على الحلفاء؛ مما يدفعهم للبحث عن بدائل وتنويع شراكاتهم فيفتح بذلك الباب أمام قوى صاعدة مثل الصين وروسيا لملء الفراغ وتعزيز نفوذها، فترامب قد تسبب في أن يفكر حلفاء أمريكا في شركاء استراتيجيين آخرين مثلاً الاتحاد الأوروبي شهدت قمم الناتو والاجتماعات الأوروبية تصعيدًا في النقاش حول «الاستقلالية الاستراتيجية» لأوروبا وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة في الدفاع، مع تسريع المبادرات الأوروبية لتعزيز القدرات الدفاعية المشتركة وتطوير صناعات الأسلحة داخل الاتحاد.
ويسعى الاتحاد الأوروبي للاستعانة بتركيا وقدراتها العسكرية لمواجهة أي أخطار قد تتعرض لها بعد أن أثبتت سياسات ترامب أنه غير موثوق، وقد توجهت تركيا نحو استخدام موقعها كجسر بين الشرق والغرب واكتسبت الموثوقية بعضويتها في الناتو، وهى تلعب دوراً رئيسياً في الاتفاق الذي يسلم الحبوب الأوكرانية إلى السوق الدولية على البحر الأسود. تركيا تسيطر على نقاط حرجة لشحن الطاقة والتجارة البحرية ولديها أكبر أسطول من طائرات F-16 في الناتو بعد الولايات المتحدة الأمريكية، وأكبر مزايا تركيا هي قوتها في الصناعة الدفاعية، فقد حققت طفرة كبيرة في صناعة الدفاع في السنوات الأخيرة وأصبحت واحدة من الموردين الرئيسيين لقذائف المدفعية عيار 155 ملم ذات الأهمية الحاسمة لأوكرانيا، وهي مصدر مهم للسفن الحربية والمركبات الجوية غير المأهولة والمركبات المدرعة، وقد استطاعت تركيا تنفيذ استثمارات جادة في إنتاج الصواريخ الباليستية ودبابات القتال الرئيسية والطائرات المقاتلة، كما عقدت تركيا اتفاقية تعاون بين شركة صناعة الدفاع الإيطالية ليوناردو إس بي إيه والشركات التركية لتطوير المركبات الجوية بدون طيار (بيرقدار)، وبدأت دول عربية في منطقة الشرق الأوسط تفكر في إيجاد شريك استراتيجي آخر بخلاف أمريكا.
من هنا تستطيع أن نؤكد بأن عودة ترامب للرئاسة قد أدت بالفعل إلى تسارع في إعادة تشكيل التحالفات الدولية ودفع الدول نحو تبني سياسات أكثر استقلالية وتنوعًا في شراكاتها الاستراتيجية؛ بحثًا عن الأمن والمصالح في عالم يتغير بسرعة. وأعتقد أن الصين بما تمتلكه من إمكانيات اقتصادية وعسكرية واستقرار داخلي رغم كل ما يثار عن قضايا حقوق الإنسان هناك، إلا أنها وبشراكاتها مع الدول العربية وتركيا وبعض دول أوروبا والأمريكيتين تسير بخطى ثابته لتكون أحد قوى النظام العالمي الذي بدأ يتشكل وتتضح معالمه خصوصاً بعد تولى ترامب لسدة الحكم، فالصين بقدراتها الاقتصادية الهائلة وبقوتها العسكرية المتنامية تجعل منها شريكًا تجاريًا واستثماريًا وعسكريًا لا غنى عنه للكثير من الدول، مع الوضع في الاعتبار أن شراكاتها المتزايدة مع الدول العربية وتركيا وبعض الدول الأوروبية وحتى في الأمريكيتين ليست مجرد علاقات عابرة، إنها جزء من استراتيجية صينية بعيدة المدى لتوسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي وتقديم نموذج بديل للتعاون الدولي لا يعتمد بالضرورة على الشروط الغربية.
أعتقد أن العالم سيكون أكثر استقراراً في ظل نظام متعدد القوى أو نظام ثنائي القوى، وأعتقد أن روسيا لو نجحت في أن تعيد حلفاءها القدامى وتحالفها مع بعض الدول التي تفككت عن الاتحاد السوفيتي عندما انهارت الاشتراكية ستستعيد مكانها في نظام القوى العالمي والدبلوماسية الروسية، سيقع عليها عبء استعادة روسيا لمكانتها، فروسيا تسعى بالفعل لإعادة ترسيخ نفوذها في بعض المناطق التقليدية وهذا يشمل تعزيز العلاقات الاقتصادية والأمنية مع دول مثل بيلاروسيا - كازاخستان - وبعض دول آسيا الوسطى، فالدبلوماسية الروسية نشطة للغاية في البحث عن شراكات جديدة مع الصين - دول الشرق الأوسط - أفريقيا - أمريكا اللاتينية وفي تعزيز أدوارها في منظمات مثل بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، فهي تستهدف بناء تحالفات مضادة للتحالفات الأمريكية - الأوروبية. روسيا عازمة على أن تكون قطبًا رئيسيًا في النظام العالمي الجديد وأن دبلوماسيتها تعمل جاهدة لتحقيق ذلك، وتقاربها مع الصين هو أحد أهم ركائز هذه الاستراتيجية.
سياسة ترامب حولت نظام القوى العالمي بالفعل إلى نظام ثنائي القوى يضم أمريكا والصين وسيتحول عما قريب إلى ثلاثي القوى بانضمام روسيا، فكما ذكرت في عنوان المقالة ترامب وجورباتشوف هما وجهان لعملة واحدة وهى تغيير نظام القوى العالمي، ستتسارع الأحداث وسنراقب ونحلل ونتوقع سيناريوهات لم يكن يتخيلها أحد قبل.