صالح الشادي
الحمد لله الذي جعل الطعام قوة لأجسادنا، وشرع لنا من الأصول ما يحفظ صحتنا وعقولنا. وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قال: «كفى ابن آدم لقيمات يقمن صلبه»، ففي هذه الكلمات النبوية من الحكمة ما يعجز عنه الطب الحديث، وما تقصر عنه نظريات الصحة والتغذية.
إنها ليست مجرد كلمات تقال، بل هي دستور حياة، وفلسفة إلهية وضعها من خلقنا ويعلم ما يصلحنا. لقد نسينا في زحام الحياة وغمرة الوفرة لماذا نأكل أصلاً، نسينا أن الطعام وسيلة لا غاية، وقوة للعبادة لا متعة بحد ذاتها. لقد تحول الطعام في عصرنا من نعمة نشكر الله عليها إلى صنم نعبده من دون الله، نخطط له ونهتم به ونفكر فيه أكثر مما نفكر في عبادتنا وذكرنا لربنا.
ويا للعجب! كيف تحولت بركة الطعام إلى نقمة؟ كيف أصبحت موائدنا - التي يفترض أن تجمعنا على الخير - سبباً في تفرقنا ومرضنا؟ لقد تغير طعامنا عما كان عليه أجدادنا، دخلت عليه سموم لم نعد نراها بأعيننا ولكننا نرى آثارها في أجسادنا وأمراضنا. من الألوان الصناعية التي تزين المأكولات ولكنها تسمم الأجساد، إلى الدهون المهدرجة التي تطيب في الأفواه ولكنها تفسد في الدماء، إلى أنواع الأعلاف الغريبة للحيوانات التي تزيد كمياتها ولكنها تنقص في قيمتها، إلى المبيدات التي لا نعرف أثرها ولكن آثارها تظهر في أمراض لم نكن نعرفها من قبل.
لقد أصبحنا نأكل ثلاث وجبات ثقيلة ونتسابق على «المنهات» والمطاعم كما لو كان الأكل هو غاية السعادة. نسينا أن السعادة الحقيقية في طاعة الله وذكرهِ، لا في امتلاء البطون. لقد غزتنا ثقافة الاستهلاك حتى أصبحنا نشتري بأموالنا ما يمرضنا، ونجامل على صحتنا، ونسرف حتى تفيض النفايات طعاماً بينما هناك من لا يجد لقيمات في بلادنا الإسلامية وغيرها.
والنتيجة المريرة التي نراها اليوم؟ لقد أصبح طعامنا سبباً لأمراضنا، بل هو السبب الثاني بعد الضغوط النفسية في إصابتنا بالأمراض.
كم من بيوتنا أصبحت سجوناً لأمراض السكر والضغط والقلب، وكم من أطفالنا أصبحوا أسرى للسمنة والأمراض التي كانت حكراً على الكبار. لقد انقلب الكرم الحقيقي - الذي كان إطعام الجائع في زمن القحط - إلى إسراف في زمن الوفرة، وأصبحت الولائم التي نفتخر بها مجالاً للتبذير الذي نهى الله عنه.
ولكن رحمة الله تعالى واسعة، وحكمته لا تنتهي. فكما جعل الداء جعل الدواء. إن في صيامنا فرضاً ونفلاً سراً عظيماً، إنه تجديد للخلايا، وتطهير للجسد، وتحرر من سلطة الشهوة. إن تلك «اللقيمات» التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم هي مفتاح صحتنا، كما أن الصيام هو مدرسة نتعلم فيها الاعتدال ونذكر فيها الجائعين. إنه تذكير بأننا خلقنا للعبادة لا للأكل، وأن الدنيا دار ممر لا دار مقر.
فليعد كل منا إلى فطرته، لنتذكر أننا نأكل لنعيش لا أن نعيش لنأكل، لنجعل من موائدنا موائد عبادة بشكر النعمة وعدم الإسراف، ولنتمسك بسنة نبينا في القصد والاعتدال. فلنقلل من طعامنا، ولنحسن من نوعيته، ولنعلم أن في التقليل صحة، وفي الإسراف مرض، وفي الشكر بقاء للنعمة.
ففي ذلك صحتنا وسعادتنا واتزاننا، في الدنيا والآخرة. فما أعظمها من نعمة عندما نعود إلى فطرتنا، وما أجمله من شعور عندما نتحرر من عبودية الطعام لنكون عباداً لله وحده.