عمرو أبوالعطا
في أفق القرن الثاني عشر الميلادي، وبين ظلال عصورٍ كانت أوروبا تغرق فيها في ظلمات الجهل، بزغ نجم حضارة إسلامية أضاءت دروب العلم والابتكار. في قلب هذه الحضارة، وقف بديع الزمان أبو العز إسماعيل بن الرزاز الجزري، ذلك المهندس والفيلسوف، الذي لم يكن مجرد صانع آلات، بل كان رمزًا للإبداع والتجديد، فتح عبر صفحات التحكم الآلي آفاقًا جديدة، حاملاً لقب «أبو الروبوتات» بلا منازع.
وُلد الجزري عام 1136 في جزيرة ابن عمر بإقليم ديار بكر، ملتقى الحضارات الإسلامية واليونانية والفارسية، حيث ترسخت في بيئة بلاط بني أرتق، تحت رعاية حكام يقدرون العلم والصنعة، بيئة تتيح له الانطلاق نحو خلق آلات دقيقة تجمع بين التقنية المتقدمة وروح الجمال والفن.
في عام 1206، أتم الجزري تأليف تحفته الفنية والهندسية: كتاب «الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل»، الذي وصف فيه أكثر من خمسين آلة متطورة، من ساعات مائية وشمعية، وأدوات شرب، وأباريق، ونوافير ميكانيكية متغيرة الأشكال، إلى مضخات مياه وأدوات أخرى. تميز الكتاب بمنهجيته الدقيقة، إذ أرفق معه 174 رسمة ملونة تفصيلية، توضّح كيفية تركيب الآلات وآليات عملها، مما أتاح للحرفيين والمهندسين عبر العصور فرصة لإعادة بناء هذه الأجهزة والاستفادة من تقنياتها.
يُعدّ «ساعة الفيل» من أشهر ابتكاراته، نموذجًا يجمع بين الفن والهندسة، حيث يحمله الفيل الضخم على ظهره قلعة ميكانيكية معقدة تضم تروسًا وأثقالًا متناسقة، تتناغم مع تغريد طيور آلية تنطلق في أوقات محددة، مع مؤشرات زمنية دقيقة تعتمد على نظام متقن للتغذية الراجعة. هذا الجهاز لم يكن مجرد أداة لقياس الوقت، بل هو نموذج متقدم للتحكم الآلي، تعتمد فكرة تنظيم حركة الأجزاء على تدفق الماء، وهو مبدأ أساسي في أنظمة التحكم الحديثة التي تطورت في ميادين الطيران والسيارات والأجهزة الذكية.
امتدت عبقرية الجزري لتشمل الترفيه، حيث ابتكر آلات موسيقية أوتوماتيكية، منها آلة على شكل قارب عائم يحوي موسيقيين ميكانيكيين يعزفون على العود والطبول، ليرسم مشهدًا فنيًا متكاملاً يسبق عصره بعقود. كما صمم خادم النبيذ الآلي الذي يستخدم نظامًا دقيقًا من الأثقال والضغط الهيدروليكي لملء الأكواب تلقائيًا، وهو ما يعكس فهمًا متقدمًا للأنظمة التفاعلية الذكية.
على صعيد الهندسة الميكانيكية، برز الجزري بتصميم مضخات مياه متطورة، مثل مضخة الساقية التي تستغل حركة الماء، ومضخة المكبس المزدوجة التي تعتمد على نظام الكامات، والعمود المرفقي لتحويل الحركة الدائرية إلى حركة ترددية، مما يعتبر حجر الأساس للمحركات الحديثة. كذلك وصف نظام الأقفال ذات التوليفة، التي سبقت بكثير أنظمة القفل المعروفة في أوروبا.
كان الجزري مبدعًا ليس فقط في الابتكار، بل أيضًا في التوثيق، حيث أرفق في كتابه شرحًا مبسطًا لكيفية تصنيع كل آلة وموادها، وبذلك مهد الطريق أمام الأجيال القادمة لفهم وإعادة تصنيع اختراعاته، وهو منهج لم يكن متبعًا بدقة في عصور سابقة.
ولم يكن علمه جافًا، بل جمع بين الهندسة والفن والفلسفة. فقد كتب في مقدمات كتابه تأملات عميقة حول دور العلم في خدمة الإنسان، مؤكدًا أن الاختراع يجب أن يدمج بين التيسير والتجميل والإبهار، ليجسد التقنية كجزء من حضارة قائمة على الجمال والمعنى، وهو ما يجعل أعماله نموذجًا رائدًا لتقنية إنسانية تراعي الأبعاد الثقافية والإنسانية.
امتد أثر الجزري عبر الزمن، حيث كان وريثًا لتقاليد الهندسة القديمة في بلاد الرافدين وسوريا وفارس، مستفيدًا من إرث مهندسين مثل ستيسيبيوس وكتسيبيوس في الإسكندرية، ومن الساعات الضخمة التي ابتكرها الخلفاء العباسيون، مثل ساعة هارون الرشيد التي أهديت إلى شارلمان.
في القرن العشرين، أُعيد اكتشاف إرثه بعد أن تُرجمت أعماله إلى الإنجليزية على يد البروفيسور دونالد هيل عام 1974، الذي قدم دراسة دقيقة ومنهجية لكتابه، ما أتاح للعلماء والمهندسين فهم عبقريته والتكنولوجيا التي وضع أسسها. وقد أُعيد بناء نماذج أجهزته التي أثبتت فعاليتها في معارض علمية عالمية، مما يعكس قوة التصميم ودقته.
أكد المؤرِّخ جورج سارتون أن كتاب الجزري يمثل «أبلغ إنجاز إسلامي في الهندسة الميكانيكية»، فيما أشار هيل إلى ندرة وجود مصادر تضاهي تفصيلات وتصميمات الجزري في أي ثقافة أخرى. لا شك أن مهندسي عصر النهضة الأوروبيين، وعلى رأسهم ليوناردو دا فينشي، تأثروا بهذا الإرث، مما مهد الطريق نحو التقدم الصناعي والتقني في أوروبا.
واليوم، في ظل الثورة التكنولوجية وازدهار الروبوتات والذكاء الاصطناعي، يبقى إرث الجزري مصدر إلهام لا ينضب، يذكرنا بأن المعرفة لا تكتمل إلا بالإبداع، وأن التقدم الحقيقي في العلوم والهندسة لا يمكن فصله عن الفهم العميق للإنسانية والثقافة المحيطة.
يبقى الجزري رمزًا للابتكار في زمن كان انتقال المعرفة فيه محدودًا، وأدوات الصناعة تعتمد على المهارة اليدوية والتجربة، ليعلمنا كيف يمكن للفكر أن يتجاوز حدود الزمان والمكان، تاركًا بصمة لا تُمحى في سجل الحضارة الإنسانية، ومرشدًا لكل من يسعى لجعل التقنية تعبيرًا عن الجمال والمعنى في رحلة مستمرة نحو التقدم والازدهار.