نجلاء العتيبي
لطالما كان للبرامج التلفزيونية أثرٌ خفيٌّ في تحريك ذاكرة الإنسان، فهي لا تمُرُّ على العين مرور الصور، بل تمُرُّ إلى الأعماق تُلامس مناطق من الشعور لا يُوقظها إلا المشهد الصادق، والصوت الذي يحمل صدًى من الماضي.
وكثيرًا ما تُثير حلقةٌ تلفزيونية واحدة أسئلةً عن الزمن والمكان والهوية، وتفتح أمام القلب نوافذ على البدايات الأولى للحياة، حيث تختلط الدهشة بالحنين، والواقع بالذاكرة.
هذا ما حدث لي حين شاهدتُ حلقة قديمة من سلسلة رُبوع بلدي، تعود إلى عام 1980م، بصوت المذيع الراحل خالد زارع -رحمه الله، كان صوتُهُ يحمل رزانة الزمن القديم، ينسابُ على الشاشة كمن يسرُدُ حكاية وطنٍ ما زال يُكتشف، وطنٍ تتكشَّف معالمه كل يومٍ، بآثاره وشواهده التي تنطق بالتاريخ والحضارة.
في تلك الحلقة كانت الرحلة إلى مدينة جُبَّة، الواقعة وسط صحراء النفود، حيث الجبل والرمز والذاكرة الممتدَّة إلى ما قبل الحروف، شعرت وأنا أُتابع المشاهد أنِّي أستعيد شيئًا من نفسي، كأن الذاكرة غابت زمنًا طويلًا ثم عادت لتتنفَّس عبر ذلك الصوت الدافئ.
حين انتهت الحلقة وجدتني أبحثُ عن آثار جبة، أفتِّش في الصور والمراجع والمصادر، وأتتبَّع القصص المرتبطة بجبل أم سنمان، والنقوش التي تملأ صخوره، كان الفضول والإعجاب العميق يقودني، أيضًا لم يكن البحثُ مُجرَّد رغبةٍ في المعرفة فقط، إنما محاولةٌ لفهم العلاقة العميقة بين المكان والإنسان، بين النقش والحكاية، بين ما نراه على الصخور وما نحمله في الذاكرة من معنًى.
إن جبة ليست مجرد موقع أثري؛ بل هي متحف مفتوح يروي فصولًا من حياة مضت، ويسمح لنا أن نقرأها بلغةٍ لا تزال ماثلةً على وجه الحجر، جبة التي كانت في ذلك الحين قرية صغيرة تحيط بها الرمال من كل الجهات، أصبحت اليوم مدينة عصرية تنبض بالحياة، وتتوفَّر فيها الخدمات الحديثة، ومع تطوُّرها العمراني بقي جوهرها الأصيل حاضرًا؛ فهي مليئة بالآثار والحضارة، وتُعَدُّ من أغنى مواقع الجزيرة العربية بالنقوش الصخرية التي تُوثِّق مراحل متتابعة من الوجود الإنساني. في جبالها، وتحديدًا في جبل أم سنمان؛ نقشت ذاكرةُ التاريخ حكاياتها على الصخر؛ فظهرت وجوه وأشكال ورموز تُعبِّر عن وعيٍ فنيٍّ وإنسانيٍّ مبكرٍ.
هناك تتجلَّى اليد التي حملت حجر النقش، والعين التي رأت العالم من زوايا مفعمة بالفضول والرغبة في التعبير كأنها كانت ترسم ما تراه من وحي الحياة ذاتها، أدهشني أن أرى كيف يُمكن لصخرةٍ أن تجمع في صمتها آلاف السنين من الفكر، وكيف يمكن لنقشٍ بسيطٍ أن يسبق العلمَ بزمن طويل، صخرة العجلة في جبة التي أثارت الجدل بين الباحثين حول معرفة القدماء بقوانين الحركة والتسارُع، تُمثِّل دليلًا على أن الإنسان منذ أقدم العصور كان يحاول فهم الكون بعفويةٍ فكريةٍ تسبق التدوين.
حين أتأمَّلها أشعُرُ أن تلك الرسوم ليست بقايا من زمنٍ غابرٍ، بل هي بدايات للفكر والتأمُّل والسعي نحو الفهم.
أكَّد البرنامج أن جبة ليست موقعًا أثريًّا فحسبُ، هي سجلٌّ مفتوحٌ لتاريخ الإنسان في هذه الجزيرة، وشاهدٌ على عمق المملكة الحضاري الممتد منذ آلاف السنين، فكل صخرة فيها تحكي عن مرحلةٍ من تاريخ الإنسانية، وكل نقشٍ يُعيد رسم ملامح الوعي الإنساني على هذه الأرض.
هنا تتقاطع الأزمنة، ويلتقي الفن بالمعرفة، والذاكرة بالدهشة؛ لهذا السبب أدرجتْها منظمة اليونسكو ضمن قائمة التراث العالمي عام 2015م؛ اعترافًا بقيمتها الإنسانية والحضارية. غير أن القيمة الأعمق تُقاس بما تتركه في نفوس الأجيال المتعاقبة من أثرٍ، وبما تُوقظه من وعيٍ تجاه الجذور الراسخة في أرض المملكة.
تذكَّرتُ بعد انتهاء الحلقة أن البرامج ليست وسيلة ترفيهٍ فقط، فهي أيضًا وسيلة استعادة تمنح الذاكرة ممرًّا لتتنفَّس من جديد، قد تُنسى الأحداث، وتغيب الوجوه إلا أن الصورة الملتقطة بصدقٍ تبقى حيَّة تحفظ في داخلها صدى الوجدان، وكل مشهد في ربوع بلدي كان يُعيدني إلى بساطة المكان، إلى العلاقة القديمة بين الإنسان والأرض، بين الصوت والحكاية، بين الذاكرة والانبهار.
إن تأثير البرامج في الذاكرة لا ينبعُ من مادتها وحدها، وإنما من قُدرتها على ربط الماضي بالحاضر، وتحويل المشاهدة إلى تجربة شعورية تلامس الروح، حين تُبنى الصورة على الصدقِ يصبح التلفاز أداة وعيٍ تدفع الإنسان إلى التفكير؛ ولهذا بعد مرور أكثَرَ من أربعة عقود ما زالت تلك الحلقة عن جبة تسكنُني كأنها بُثَّت هذا الصباح.
كانت رحلةً في المكان والزمان، وفي أعماق الوعي ذاته؛ إذ لم تكتفِ بعرض المشهد، وإنما أيقظت في داخلي الحنين إلى أرضٍ تتكلَّم بالحجر والرمل، أرضٍ ما زالت تُكتشف، وتكشف للعالم عن حضارةٍ تضربُ بجذورها في عمق التاريخ الإنساني.
ضوء
«آثارُنا جزءٌ من هويَّتنا، ومُكوِّن لمستقبلنا».
الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله.