محمد عبدالله العتيبي
الحديث أو السنة النبوية كما يعلم الجميع لها قيمتها وأهميتها في الإسلام، باعتبارها وحيا ومصدرا ثانيا للتشريع، وهي مبينة وموضحة لما جاء في القرآن الكريم من آيات مجملة عامة أو مطلقة كتفاصيل الصلاة -من كيفيتها ووقتها- وكذلك الزكاة وغيرها من الشرائع والعبادات.
وفي عهد الرسول صلى الله عليه وسلم -كما أورد الكثير من المؤرخين- لم يدون الحديث رسميا وكذلك بعد وفاته، فقد كان مشافهة من الذاكرة ومحفوظا في الصدور ومكتوبا في صحف متفرقة عند بعض الصحابة (مثل عبدالله بن عمر وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم) وقد نهى صلى الله عليه وسلم في بداية نزول القرآن عن كتابة الحديث لكيلا يختلط بكلام الله وبعد أن أمن هذا الالتباس سمح بكتابته، فمن كان يدون فتدوينه لنفسه، بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بالكتابة في عهده كأمره أن يكتب للرجل الذي جاءه من اليمن ودعاءه لمن حفظ سنته من الصحابة وغير ذلك من الآثار الواردة، وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم كانت فكرة تدوين الحديث في كتاب خاص موجود عند عمر بن الخطاب ولكنه -كما في بعض الآثار- استخار وترك الأمر خوفا من التلبيس على القرآن، وأما التدوين الرسمي فقد بدأ في عهد الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز حينما أوكل الإمام الزهري وغيره بمهمة التدوين وجمع السنن حيث كان من أكثر أئمة زمانه علما وحفظا - وقد مهد الطريق لمن بعده فظهرت الكتب والمصنفات التي اهتمت بجمع الحديث وجعله أكثر تنظيما من خلال تصنيف أبوابه وترتيبها - فبعث الخليفة الكتب للأمصار وكل أرض له عليها سلطان، ومن الخطأ القول بأن تدوين السنة بدأ في عهد الإمام البخاري أو في القرن الثالث الهجري كما يعتقد بعض الجهلة في السنة ومنكريها، وهؤلاء العلماء في القرون الثلاثة الأولى وما تلاها هم من نهضوا بالحديث وحرصوا على تنقيته بالأسانيد الصحيحة - بعد الفوضى التي حدثت بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم والتي كثر فيها الوضاعون والمدلسون – وهؤلاء الثقات النقاد من العلماء قد أقروا بعدالة الصحابة رضي الله عنهم بمجملهم بعد تعديل الله لهم وثنائه عليهم في كتابه المبين، وليس كما يجرحهم بعض الجهلة في هذا الزمان، وحتى الصحابة أنفسهم من حرصهم على حفظ الحديث وصيانته كان ينقد بعضهم بعضا.
ومن أسباب كثرة التدليس والاختلاق في الحديث بعد وفاته صلى الله عليه وسلم كثرة الخصومات السياسية، وكثرة الخلافات بين علماء الكلام والمذاهب وبسبب التزلف للحكام والأمراء، ومن الأسباب كذلك دخول كثير من الناس للإسلام من جميع الأقطار - كاليهود والنصارى - والتساهل في باب الفضائل والترغيب والترهيب – كما في كتب الأخلاق والتصوف – وهذا ما جعل القصاصون يتكاثرون، وإضافة لتلك الأسباب؛ التقليل من قيمة الاجتهاد، واستحسان الحكم والمواعظ الحسنة من الثقافات والفلسفات المختلفة من أصول هندية ويونانية.. ومن التوراة والإنجيل من المرويات والإسرائيليات.
وعلم الحديث بما فيه من إسناد ومتن كان ولا يزال محل عناية لدى الأئمة والعلماء الراسخين في هذا العلم وفروعه، ولديهم اشتراطاتهم الخاصة لقبول الحديث للحكم بصحته أو ضعفه سواء كان الإسناد أو المتن؛ منها طبيعة الرواية وناقلها وصدقه ومدى ضبطه والألفاظ المنكرة فيها، وهل فيها انقطاع أم لا؟ وينظرون لحالة الرواة كل على حدة ودرجة وثوقيتهم ويقارنون بينهم، وبين نتائج سندهم بأسانيد أخرى ليتأكدوا من سلامتها من العلة والشذوذ، وابن القيم من العلماء الذين وضعوا علامات تكشف عن الرواية الموضوعة من خلال متنها ولا تخالف العقل والمنطق السليم كقوله: (اشتماله على المجازفات التي لا يقول مثلها صلى الله عليه وسلم أو ركاكة الفاظ الحديث وسماجتها بحيث يمجها السمع ويدفعها الطبع ويسمج معناها للفطن ومخالفة الحديث صريح القرآن ولا يشبه كلام الأنبياء فضلا عن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.. الخ)، والعلامات الكاشفة في المتن عندهم أيسر من الأسانيد (التي فيها جهد كبير ودقة وعناية)، وهنا نقطة مهمة حيث إن بعض الجهلة ممن لديهم ضعف معرفي وقصور في فهم وإدراك اللغة العربية وكل أدوات الاجتهاد ينتقدون متن الرواية دون الرجوع لسندها، وقد سبقهم في النقد والمراجعة الكثير من العلماء، ومن خلال المتن يمكن بسهولة أن ينسب أي معنى صحيح للرسول صلى الله عليه وسلم وجعله حديثا صحيحا من خلال صحة معناه، بعكس السند الذي يكون أكثر مشقة لأنه يستلزم أن يكون هذا المعنى الصحيح قد قاله الرسول صلى الله عليه وسلم أم لم يقله؟ والعلماء في ذلك يتفاوتون فمنهم من يحفظ فقط ومنهم من يحفظ ويفقه، وكلهم ذو شأن كبير وفضل كما جاء في السنة والقرآن الكريم كقوله عزوجل: [بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم..] وليس كما يردده الجهلة المتعجلون الثائرون تحت مسمى نقد الموروث بالانتقاص والتقليل من هذا العلم والعلماء ومن أهمية الحفظ ونعتهم بعدم الفهم.