د.علي عبدالله موسى
عندما أعلن السلطان سليم الأول قيام الخلافة العثمانية وأصبح الحرمان الشريفان تحت سلطته كان أول قراراته أن تكون العربية لغة الدين واللغة التركية لغة الدولة، ومنذ ذلك الحين تراجعت اللغة العربية في جميع الميادين، ولم يظهر لا علماء ولا علوم خلال الحكم العثماني، مقارنة بالعصور العباسي والأموي والأندلسي، وضعفت العربية والعرب، وانتشر الجهل لقرون، لهذا ظهرت المقاومة للحكم العثماني داخل الجزيرة العربية التي انطلق منها الإسلام والعروبة، وكانت الحضارة الإسلامية عبر عصور الحكم العربي تعتمد على اللغة العربية لغة الإسلام، ونحن العرب عربًا نسبة إلى اللغة العربية التي تشكّلت حول الكعبة من لغات متعددة اختلطت ببعضها نتيجة الحج والحركة التجارية من مكة وإليها، ثم انتشرت مع التجار والحجاج الذين نقلوها إلى بلدانهم وأوطانهم، وكانت هناك نهضة لغوية أتت بعد إعادة بناء الكعبة التي دمرها الطوفان الأكبر، وبعد إعادة بناء البيت ودعوة إبراهيم عليه السلام للحج، ودعوته أن يكون هو وابنه مسلمين لله، ومن ذريتهما أمة مسلمة، وأن يبعث الله فيهم رسولاً منهم، يتلو عليهم آياته ويعلِّمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، جاء الرسول محمد والكتاب والإسلام ضمن مشروع رباني انطلق بإعادة بناء الكعبة ودعوة الناس للحج، وشارك في التجارة إلى مكة النصراني واليهودي وغيرهما، وكانوا يتحدثون ويتعبدون باللغة العربية مثل الحنفيين قبل الإسلام من أمة إبراهيم وإسماعيل. وهنا نذكر بأن أقدم حضارة وديانة هي الإسلام الذي انطلق من مكة المكرمة وفق كلام الله تعالى القرآن الكريم، وهذا لا يعني عدم وجود شرائع وأنبياء ورسل أرسلوا إلى قوم آخرين برسالة الإسلام وهي توحيد العبادة لله. وقد نزل القرآن الكريم ليشرع اللغة العربية ويقننها ويوجبها على المسلمين فقال تعالى: {إِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ، وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ، أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ، فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ} سورة الشعراء. وهناك الكثير من الآيات القرآنية عن اللسان العربي المبين. المهم هنا دور المملكة العربية السعودية وعلاقتها باللغة العربية، فد قامت الدولة السعودية الأولى على دعوة إسلامية مناهضة للعثمانيين الذين أهملوا اللغة العربية والدين، وأهملوا تعلّمه وأضعفوا الجزيرة العربية وحاربوا أهلها حتى أنهم وضعوا لهم كتابًا سنويًا لخطب الجمعة لا يخرج عنه أي إمام، ويدعى فيه للخليفة في إسطنبول، «الحكمة البالغة في خطب الشهور». حتى بعد سقوط العثمانيين كنا ندعو للخليفة قبل قيام الدولة السعودية، وقد حارب العثمانيون الدولة السعودية، بل إنهم وصلوا إليها بعد غزوات متكررة وكانت القبائل العربية تقف في وجه تلك الغزوات العثمانية للقضاء على المقاومة في الجزيرة العربية، وقد اضطر محمد علي باشا أن يأتي بنفسه على رأس حملة إلى الجزيرة العربية لقمع المقاومة وتعزيز حملة ابنه إبراهيم باشا التي توجهت للقضاء على الدرعية، ومن بين أهم المراجع كتاب موريس تامزيه الفرنسي الذي رافق آخر الحملات العثمانية على عسير، التي كانت تقف سدًا منيعًا مع غيرها من الإمارات والقبائل ضد العثمانيين دفاعًا عن الدرعية التي انطلقت منها المقاومة ضد العثمانيين. كما أن تأسيس المملكة العربية السعودية على يد المرحوم الملك عبدالعزيز قام على الإسلام واللغة العربية والعروبة، ولهذا جعل العروبة أساس في اسم الدولة فهي المملكة العربية ويأتي بعدها نظام الحكم السعودي فيها. وقد كان هذا لحكمة ومعرفة من المؤسس بأن العروبة والإسلام هما أساس الدولة، وأركانها منذ أن كان أول بين وضع للناس. كيف لا، وهذه الدولة مفخرة للمسلمين لأنها معنية بخدمة الحرمين الشريفين، وفيها أول بيت وضع للناس، وهي قبلة المسلمين في كل لحظة، ومنها انطلقت اللغة العربية والعروبة، وفيها نزل آخر كتاب سماوي وآخر رسول، ونحن في هذه البلاد ورثة لإرث عظيم، ونتحمَّل مسؤولية تجاه الله ودينه، كما أرادها الله لأهل هذه البلاد، حكامًا ومحكومين. ومن هنا تأتي أهمية اللغة العربية للدولة السعودية بصفتها امتدادًا لرسالة الأنبياء منذ إبراهيم وحتى خاتم الأنبياء، ومنها تشكلت اللغة العربية بصفتها لغة جامعة وشاملة وغير عرقية ومن الهويات الكبرى، تكونت من اللغات المختلفة التي أتى بها الناس إلى مكة للحج والتجارة، فكانت السبئية والحميرية والدادانية والمهرية والنبطية وغيرها من اللغات التي تشكلت منها اللغة العربية، فتركوا لغاتهم وتمسكوا باللغة الجديدة التي تشكلت عبر العصور، وقد سميت بالعربية لفصاحتها وبيانها وقدرتها مقارنة بغيرها من اللغافي التواصل، فآخت بينهم، وسموا أنفسهم بها لأنهم كانوا يعربون بها عن مشاعرهم ويتواصلون بها ويقضون بها حوائجهم، وكانت تتطور بصفتها جزءاً من مشروع رباني، مثل ما تم تكليف إبراهيم عليه السلام بالذهاب لإعادة بناء الكعبة، كانت اللغة العربية تتطور حول الكعبة لتكون لغة آخر كتاب، وآخر رسالة سماوية، وقد اشتهرت الأسواق اللغوية حتى صارت القصائد تعلق على أستار الكعبة، وهذا أول تكريم في تاريخ اللغات والشعر والأدب، وكان الله يهيئ الناس لاستقبال آخر رسالة، فتطورت موهبة الحفظ عند الناس الذين كانوا يلقنون أولادهم الشعر ويعلمونهم الخطابة، وصاروا يحاربون من يلحن فيها، ويتهمونه بأنه غير عربي وأنه أعجمي أو غير أصيل، وهم لا يعلمون بأنهم سيكونون جزءاً من مشروع رباني عظيم، حتى إذا نزل القرآن حفظوه وكتبوه وعملوا به، وفي كل لغات العالم الشعراء يعدون أهم مكون لغوي، مثل شكسبير وقوته وغيرهم، لهذا كانت عظمة اللغة العربية بكثرة الشعراء والتنافس الكبير بينهم في الفصاحة والبيان لإثراء اللغة وتطويرها ونشر الوعي اللغوي بين الناس، ومن هنا تلتقي البداية بتأسيس أول بيت بآخر رسالة سماوية. وعند بعثة الرسول ونزول القرآن تحولت اللغة العربية إلى لغة كونية وعالمية، وقد ميَّزها الله عن بقية اللغات، وبرر الله ذلك في عدة آيات، ووصف اللغات الأخرى بالأعجمية، لأنها لغة كلامه القرآن الكريم، وهي لغة الإسلام، ولغة العبادة. ومن يحاربها ويقصيها ويهمشها فهو يحارب الله والقرآن والرسول وأولي الأمر، لأنها لغة واجب تعلمها على جميع المسلمين وفق آيات القرآن ووفق القاعدة الفقهية التي تنص على أن «ما يتم الواجب إلا به فهو واجب».
وبالعودة إلى المملكة العربية السعودية لا يمكن أن تضعف اللغة العربية في مهد العروبة لأي سبب كان، بل العكس يجب أن تتحول العربية إلى منجم اقتصادي من اقتصاديات المعرفة، مثل اللغة الإنجليزية، وأن تتحول السعودية والدول العربية إلى أسواق للغة العربية يأتي إليها الناس من كل مكان، وهناك ملايين المسلمين وغير المسلمين، يحتاجون لتعلّم اللغة العربية، وسوف تكون اللغة العربية رافدًا للاقتصاد والمعرفة والتعليم والثقافة والسياحة في الدول العربية، إذا وجدت سياسة تتبنى هذه الرؤية. وتعد العربية أقوى من السياحة في جلب الأموال وتأثيرها يكون أقوى من الناحية الثقافية والقوى الناعمة والأثر والتأثير والدبلوماسية الثقافية.
ونحن هنا لا نطالب بعدم تعلّم اللغة الأجنبية، ولكن ليس على حساب اللغة العربية، والهوية والمحافظة على الأجيال القادمة من الذوبان في مشاريع عالمية تمحيهم وثقافتهم وتدمجهم في مشاريعها التي تعمل بكل وضوح ضد العربية والإسلام والدول العربية وكياناتها وقياداتها. ويسهم في الترويج للأجنبية بعض من المواطنين من بني جلدتنا لأسباب آنية تهدد أمن الدول واستقرارها على المدى المتوسط والبعيد. إن المحافظة على اللغة العربية جزء من الأمن الوطني واللغوي والثقافي، والوحدة الوطنية وربط الأجيال ببعضها، والمحافظة على الثوابت والمرجعيات الوطنية والتاريخية والدينية وغيرها. والأيام دول، كما نراها في يومنا تتشكل دول وتنقرض دول، وتكون اللغة واحدة إما من أدوات الحرب أو أدوات البناء. وقد لوحظ استخدام غير مبرر للغة الأجنبية في مواقع كثيرة في كثير من الدول العربية، وبدل من أن تكون اللغة العربية لغة عالمية يستخدم بدلاً مها اللغة الأجنبية بشكل لافت، وغير مقبول لدى الأجنبي الذي ينتقد هذه الظاهرة، قبل نقد العربي.
** **
- أستاذ التعليم الدولي المقارن