الهادي التليلي
لم يكن يدور في خلد محمود ممداني الأكاديمي وأستاذ العلوم السياسية الأوغندي وهو يستقر بأمريكا ويحقق نجاحات أكاديمية ليصل لدرجة أستاذ تعليم عالي في جامعة كولومبيا مع بقائه كمستشار لجامعة كامبالا الأوغندية أن يكون ابنه زهران ممداني عمدة لنيويورك
كما أنه لم يكن في حسابات زوجته المخرجة والممثلة والمنتجة الهندية الشهيرة ميرا ناير أن يكون زهران ابنهما محور حديث العالم وهو يتحدى دونالد ترامب ولوبي المليارديرات ويفوز بلقب عمدة نيويورك.
بل حتى زوجته السورية راما دوجي التي انتقلت عائلتها من هيوستن إلى دبي وتزوجها في فبراير2025 لم تكن تحلم وهي تتعرف عليه من خلال تطبيق تعارف أنها ستكون في يوم ما زوجة عمدة نيويورك.
في الحقيقة، هذا الطفل الذي نشأ في كمبالا الأوغندية ومنها إلى كبتاون الجنوب إفريقيا ثم إلى أمريكا تحول مجرى حياته من فن الراب إلى عالم السياسة منذ دخوله الحزب الديمقراطي الاشتراكي الأمريكي من خلال منطقة كوينز ليصبح حامل لواء الطبقات الضعيفة التي قهرتها الطبقة التي يزداد ثراؤها يوما بعد يوم فصاحة الخطاب ومشهدية متوارثة من أمه المخرجة البارعة وحنكة المحلل السياسي من الأكاديمي والده محمود جعلا منه خطيبا يشد الجميع إليه ومنافسا جديا لترامب في جاذبية الخطاب.
زهران ممداني المسلم الذي سيستلم مهامه رسميا في يناير 2026 تنتظره كثير من التحديات وأفق انتظار الطبقات الهشة منه أكبر وحزبه الذي بصعوده ارتفعت أسهمه ينتظر منه أكثر وكثير من المتفائلين يرون فيه منقذا من عنتريات الأثرياء الكوبوي ونزواتهم على حساب الطبقات الهشة، كما يرون فيه فرصة لتحجيم تنمر إسرائيل في الشرق الأوسط وفرصة لتحويل نيويورك إلى منطقة تعايش سلمي بلاعنصرية ولا طرد عشوائي جعل الكثيرين ينأون عن ترامب وسياساته تجاه المهاجرين والمهمشين والذين منهم المثليين حسب ما تبين في حملته الانتخابية.
وأما رؤية المتشائمين يمكن تلخيصها في أربع نقاط؛ فالجانب الأول يرى في صعود ممداني صفقة بين ترامب وروسيا لتصعيد حزب متماهي معها إيديولوجيا، خاصة وان ترامب لا يمكنه أن يترشح لدورة أخرى وحظ الديمقراطيين في خلافته وافر؛ نظرا لأخطائه في السياسات الخارجية والداخلية، وبذلك كسياسي يكون قد هزم الديمقراطيين وهمشهم وكرجل أعمال يكون قد ضمن السوق الروسية وهو يغادر البيت الأبيض، هذا على اعتبار أنه يهيئ مهمداني من وراء الستار لرئاسة أمريكا وهي نظرية سياسية معروفة بالخطاب الموجب الذي يصنع الخطاب السالب له حتى يضمن استمراريته ومشروعيته، وهو ما تحدث عنه بإسهاب الفيلسوف مطاع صفدي.
وأما الجانب الثاني من المتشائمين، يرى أن الدولة العميقة من خلال رغبتها في احتواء كل الفاعلين وبعد تراجع شعبية الجمهوريين والديمقراطيين اختارت احتواء الغاضبين وغير الراضين في خانة يمكن استثمارها وتنفيذ نفس السياسات عن طريقها وهي سياسيا تعرف باللقاح أي الغاء الرفض بالرافض.
والجانب الثالث يرى تشابها في ماضي زهران ممداني وماكرون وزيلنسكي، ويعتبر أن هناك ما يدفع هذه الشريحة نحو سدة الحكم وهي النقطة الخلافية بين ترمب وأصحاب النفوذ العميق في العالم، وإن كان هذا الرأي صعب الهضم إلا أن كثيرين يتبنونه.
والجانب الرابع، وهو متشدد جدا يرى في صعود ممداني مؤامرة صهيونية أخرى لاحتواء المختلفين وإعادة صياغة صورة ذهنية مختلفة عن الصورة السيئة جدا التي أظهرتها أحداث غزة من خلال الخصوم، وهذا الرأي يستند كثيرا إلى صور ممداني مع حاخامت يهود.
في كل الحالات وصول ممداني لسدة نيويورك مكسب للمهاجرين وللفئات المستضعفة، وأمل لمن دهستهم ركاب الكوبوي العاصر وعنتريات الأثرياء وشطحاتهم على حساب الطبقات الفقيرة.