فائز بن سلمان الحمدي
ليس شعر المحاورة ميدانًا للهوى، ولا صخب ألسنة تتقاذف الحروف كما يتقاذف الصبيان الحصى في الفلاة، بل هو في أرقى تجلياته ساحة ضمير جمعي يتطهر من شوائب الغريزة، ليعلن في الناس ميلاد الكلمة المسؤولة، الكلمة التي تبنى بها الأوطان كما تبنى بها الأرواح. المحاورة في أصلها ليست خصومةً، بل حوار معان تتصاعد كما تتصاعد الموجة في بحر الفكر، تصطدم لا لتكسر، بل لتتطهر.
هي امتحان العقل في حضرة الجمال، وتذكرة الإنسان بأن النصر الحقيقي لا ينتزع من خصم، بل من الذات حين تسكن عن الجهل وتسمو عن النزق. وحين يتطهر هذا الفن من أوضار العصبية الجاهلية، ويعلو على ضجيج المفاخرة المريضة، يتحول إلى واحة تثمر الوعي، وتظل القيم، وتسقي قلوب الناس بماء التآلف. يصبح لسانًا للفضيلة، لا خنجرًا في خاصرة الوحدة، ومنبرًا تلقى عليه المروءة، لا تساق منه الشتائم. فالمجتمع الذي يحسن الإصغاء إلى المحاورة الراقية، إنما يدرب نفسه على فن الإصغاء إلى الحكمة، ويغرس في أبنائه أدب الخلاف قبل أدب القول.
المحاورة في معناها الأعمق ليست فنًا شعبيًا يقال في الميادين للتسلية، بل شعيرة من شعائر الفكر الجمعي، تصقل النفوس كما يصقل الحديد بالنار. إنها تعيد تعريف البطولة، فلا تكون في الانتماء إلى دم، بل إلى مبدأ، وتعيد تعريف المجد، فلا ينال بالمهابة الكاذبة، بل بالصدق إذا تحدث المرء، وبالعدل إذا خاصم. هي محراب البلاغة ومنبر الأخلاق. ولقد علمنا الوحي أن الكلمة وزن في ميزان الخلق، فقال تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} (سورة ق: 18)، فكيف بمن يلفظ الكلمة أمام جمهور من الناس؟! إنها مسؤولية الرسالة، لا متعة الصدى.
فإذا وقف الشاعر على ساحة المحاورة، يجللها بالحق ويعطرها بالحكمة، صار كالإمام في محرابه، يزرع في النفوس بذور الإصلاح، ويحيي القلوب التي كادت تموت بالعصبية.
ما أعظم أن يتحول صوت الشاعر من نداء للقبيلة إلى نداء للوطن، ومن مفخرة بالأجداد إلى دعوة لمستقبل أنبل! فالكلمة حين تقال في الحق، تصبح جسرًا بين السماء والأرض، لا يهوي عليها الزمان ولا يطفئها الغبار. وحين يترقى شعر المحاورة إلى هذه المنزلة، يغدو ضربًا من الجهاد بالكلمة، يحرس الهوية من التصدع، ويرفع الوعي فوق صغائر الجدال ومواضع العصبية. إن القبيلة التي تتباهى بشاعر يصلح لا يفسد، ويعلي القيم لا الدماء، قبيلة قد أدركت جوهر وجودها في التاريخ، فما القبائل إلا كالأشجار في غابة الوطن، إذا سقيت من نهر القيم أظلت الأرض بسلام وكرامة وعدل، وإذا سقيت من ماء الجهل اشتعلت في جذورها النار. إن المحاورة التي تقال في سبيل الإصلاح، تساوي في ميزان الحضارة معركةً تخاض بلا سيف، وانتصارًا ينال بلا دم. وما أروع أن يخرج الناس من ميدان شعري وقد زاد إيمانهم بالخير، لا حقدهم على الآخر. هكذا يصبح فن المحاورة حين يتطهر: يتحول من لهو إلى رسالة، ومن مباهاة إلى إصلاح، ومن خصومة إلى حكمة، وحينئذ، يكون الشاعر صوت مجتمع لا صوت قبيلة، ويكون البيت الشعري وثيقة خلق لا وثيقة خصومة.
إنها سمو الكلمة حين تعي رسالتها، ورفعة الفن حين يتطهر من الأهواء، وبهاء الوعي حين يلبس ثوب الشعر في أبهى تجليه. وما يزال الأمل معقودًا على أن تنشد في ساحاتنا أبيات توقظ النائم، وتصلح المتخاصم، وتبني في النفوس وطنًا أوسع من القبائل، وأرحب من النسب، وأجمل من الغلبة.
فالكلمة الصادقة إذا خرجت من قلب مخلص كانت أقوى من المدفع، وأبقى من التاريخ.