مرفت بخاري
لم يكن يومًا ما نراه على الشاشات والهواتف مجرد صور عابرة أو كلمات متطايرة، بل هو بذور تُزرع في النفوس، تكبر مع الأيام، وتتحول إلى سلوكيات راسخة.
حين يعلو صوت السخرية، ويُصفّق الناس للتنمّر، يصبح الجرح جزءًا من الضحك، ويغدو إهانة الآخر نوعًا من الترفيه. وحين تُعرض الخصوصيات الأسرية على الملأ، وتتحول الخلافات العائلية إلى عرض مباشر، تُكسر قدسية البيت، ويُسلب من الأسرة سترها وهيبتها، ويُختزل الدفء العائلي في مشاهد للتسلية.
الأطفال الذين وُجدوا ليعيشوا براءة الطفولة، صاروا سلعة محتوى يومي، يلهث وراءها الآباء بحثًا عن متابعين. والعمالة التي تكابد الغربة والتعب، صارت تُستعمل في مشاهد استهزاء أو في استعراض لقدرة مادية. كل هذا ليس مجرد تفصيل عابر، بل تشويه بطيء لصورة المجتمع، واغتراب عن قيمه الأصيلة.
في زوايا أخرى، يُنثر الكذب على هيئة أخبار عاجلة، ويُساق الوهم كحقيقة، فيتشكل وعي زائف، يلهث وراءه الناس كمن يركض خلف السراب. بينما تُضاء المنصات بمظاهر التباهي: سيارات لامعة، أموال تُرمى، ونسب يُتغنى به على حساب قيم الإنسانية. وما يثير الألم أن كل هذا يجد جمهورًا يصفّق، وشركات تدفع أموالًا طائلة لتضمن وصول رسالتها التجارية، ولو كان الطريق إلى ذلك مفروشًا بالابتذال والجدل.
المؤثر الذي يلهث وراء الترند، لم يعد يفكر فيما يهدمه أو يبنيه، بل فيما يُشعل من نقاشات، وما يجلبه من مشاهدات. والجمهور الذي يتابع بدافع الفضول، لا يدرك أنه يساهم بصمته ومشاركته في صناعة نجومية زائفة. أما الشركات المعلنة، فهي الوقود الحقيقي لهذه النار، تدفع مبالغ باهظة، وتغض الطرف عن قيمة ما يُقدّم، وكأنها تقول: «الأخلاق لا تعنينا، ما يعنينا هو الوصول».
هكذا، يصبح الترند سيدًا، والابتذال لغة، والانقسام وسيلة. ومع مرور السنوات، يترسخ في النفوس جيل يرى أن طريق الشهرة مرهون بالفضيحة، وأن المال يُحصل عبر الجدل لا الجهد، وأن المظاهر تغني عن الجوهر. وما لم يُكبح هذا السيل، فلن نجد إلا مجتمعًا منهكًا، يحمل قشورًا لامعة تغطي خواءً داخليًا، وتاريخًا يُستبدل بالتصفيق للزيف.
لكن، ثمة أمل. فالمجتمع الذي يختار أن يحمي قيمه، والهيئات التي تسعى لتقويم هذا الاعوجاج، قادرة أن توقف الانحدار.
الأمل أن ندرك أن الإعلام ليس ساحة للتفاخر، بل منبر للبناء، وأن المستقبل لا يُصنع بالترندات العابرة، بل بالوعي الراسخ. فإذا التقت إرادة الناس مع يقظة المؤسسات، فلن يكون الغد مجرد تكرار للحاضر، بل بداية لاستعادة النقاء في زمن اختلطت فيه الصور، وتداخل فيه الحقيقي بالمصطنع.
فلم يعد ما نشاهده في فضاءات الإعلام مجرد مقاطع للتسلية، بل صار انعكاسًا لمزاج الناس، وبذورًا تُلقى في العقول لتثمر سلوكًا بعد حين. حين ارتفع صوت السخرية، صارت الإهانة لعبة، وحين نُشرت خصوصيات الأسر، انكسرت هيبة البيوت، وحين استُعمل الأطفال والعمالة كزينة يومية على الشاشات، صارت البراءة تُباع، والكرامة تُشترى. كان المشهد يزداد قسوة يومًا بعد يوم، حتى غلب الخوف على الملامح: إلى أين نمضي؟ وأي صورة عن مجتمعنا سنترك للأجيال؟
في قلب هذا الضجيج، جاء صوت الهيئة العامة لتنظيم الإعلام أشبه بالنداء المنقذ، أشبه بمطر يغسل الغبار عن الوجوه. قراراتها لم تكن مجرد قوائم ممنوعات، بل كانت سياجًا يحمي القيم، وتأديبًا يعيد التوازن، وإغاثةً تمسك بزمام المجتمع قبل أن ينفلت من بين أيدينا. لقد مدت يدها لا لتقمع، بل لتصون؛ لا لتكبت، بل لتحفظ ما تبقى من نقاء وسط عالم يزدحم بالابتذال.
هذه القرارات أعادت الهيبة للأسرة، والحرمة للطفولة، والكرامة للإنسان، والاحترام للتنوع. قطعت الطريق على كل من يتربح من التافه والمسيء، ورفعت رسالة تقول: إن القيم ليست قابلة للمساومة، وإن الوطن أكبر من أن يُختزل في ترند زائف.
فكل الشكر والامتنان لمن أيقظوا ضمير الإعلام، وأعادوا له رسالته النبيلة. إننا ندرك أن حماية المجتمع مسؤولية جماعية، لكن وجود مؤسسات تسهر على صون هويتنا يجعلنا أكثر طمأنينة وثقة بأن ما ينهدم يمكن أن يُبنى، وما يتشوه يمكن أن يعود أجمل. لقد كانت قراراتهم أشبه بيد حانية تضمد جراح المجتمع، وأشبه بجرس تنبيه يوقظ من غفوة، ويقول لنا جميعًا: ما زال هناك أمل، وما زال في القيم حياة.
وهنا، يأتي النداء إليك، أيها المتلقي: لا تترك هذه المهمة وحدها على عاتق هيئة أو مؤسسة، بل شارك فيها بوعي، بامتناعك عن متابعة المسيء، برفعك لصوت الوعي، بدعمك للمحتوى النقي. فالمجتمع ليس كيانًا بعيدًا عنك، إنه أنت، وأهلك، وأبناؤك، ومستقبل من تحب. فلنجعل جميعًا من الإعلام مرآة صافية تعكس جمال القيم، لا مستنقعًا يكرر صور الابتذال. وليكن امتناننا لهذه القرارات بداية عهد جديد، نكتب فيه معًا قصة وطن ينهض بالقيم، لا ينهدم تحت ثقل الترندات.
كونوا بخير