دارسانا ناير
في ظلّ رؤية المملكة 2030، تدخل السعودية فصلًا جديدًا في مسيرة الرعاية الصحية، فصلًا يُركّز على الوقاية قبل العلاج، وتمكين الأفراد من الحفاظ على صحتهم منذ البداية بدلاً من انتظار المرض.
يقع برنامج التحوّل في القطاع الصحي في صميم هذا التغيير، إذ يهدف إلى تقليل عبء الأمراض المزمنة من خلال التدخّل المبكر، وتعزيز الوعي الصحي، وتوسيع نطاق الرعاية المجتمعية. ورغم أن تحقيق الاستدامة المالية يُعدّ من أهم المكاسب، فإن الأثر الحقيقي يكمن في تحسين جودة حياة الناس.
ويمثّل الشباب الذين تقل أعمارهم عن 35 عامًا أكثر من 60% من سكان المملكة، وهم يلعبون دورًا أساسيًا في تشكيل مستقبل الرعاية الصحية. ويتمتّع هذا الجيل بوعي صحي متزايد وبقدرة عالية على التفاعل الرقمي، ما يجعله محركًا رئيسيًا للانتقال نحو رعاية أكثر استباقية وشخصية.
وفي دعم هذا الزخم، أطلقت القطاعات الخاصة مبادرات رقمية، وهي منصة مصممة خصيصًا للمملكة تُسهّل إدارة الصيدليات، وتعزّز كفاءة سلاسل الإمداد، وتُقلّل الحاجة إلى الزيارات الميدانية، مما يجعل الرعاية الصحية أكثر سهولة واستجابة.
كما أطلقت القطاعات الخاصة أيضًا منصة تزوّد الأطباء والممارسين الصحيين بمعلومات علمية محدّثة تساعدهم في اتخاذ قرارات سريرية أفضل، وتُعزّز الثقة والشفافية في العلاقة بين الطبيب والمريض. ورغم أن تمكين الشباب يُعدّ عاملًا رئيسيًا، إلا أنه جزء من حركة أوسع يقودها التعاون الوثيق بين القطاعين العام والخاص.
ويتجاوز تحوّل منظومة الرعاية الصحية في السعودية حدود التغيير التشريعي، ليصبح نموذجًا للتكامل بين المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص في بناء نظام صحي أكثر مرونة واستدامة.
وتُسهم «القطاعات الخاصة» بفاعلية في هذا المشهد المتطور، إذ لا تقتصر جهودها على توفير منتجات الصحة الاستهلاكية فحسب، بل تمتد إلى الاستثمار في الكفاءات الوطنية وبناء القدرات طويلة المدى.
إن ما يقرب من نصف موظفي غالب القطاعات الخاصة هم من السعوديين، وتستمر في دعم التعليم الرقمي والتدريب المهني لإعداد جيل مؤهل للمستقبل.
ويتماشى هذا الالتزام مع أهداف المملكة في تنويع الاقتصاد وتمكين الكفاءات الوطنية، ومن خلال توطين العمليات وبناء شراكات فاعلة، تُسهم الشركة في تعزيز المنظومة الصحية من الداخل.
ورغم التقدم الملحوظ نحو نموذج الرعاية الوقائية، يبقى السؤال المهم: كيف نضمن أن تكون الرعاية الذاتية متاحة للجميع؟
وفي بلد واسع ومتنوّع كالسعودية، يُعدّ ضمان العدالة في الوصول إلى الرعاية تحديًا كبيرًا، إذ ما تزال هناك تفاوتات حتى داخل المدن الكبرى. ويتطلّب تجاوز هذه الفجوات ببنية تحتية قوية، وتثقيفًا صحيًا موجّهًا، وفهمًا عميقًا لاحتياجات المجتمعات المختلفة.
كما تعمل «القطاعات الخاصة العالمية المتخصصة» على مواجهة هذا التحدي عبر إعداد مواد تعليمية صحية متعددة اللغات وتصميم برامج شاملة تراعي التنوع في العمر والجنس والدخل ومستوى الوعي الصحي. كما تُعدّ القدرة على تحمّل الكلفة جزءًا أساسيًا من الحل، ولهذا يسعى القطاع إلى توسيع شبكات الصيدليات ودعم التصنيع المحلي واستكشاف نماذج وأصول مدعومة تجعل الرعاية الذاتية في متناول الجميع.
وما يزال التحول في قطاع الصحة السعودي في مراحله المتقدمة، لكن الاتجاه واضح: بناء نظام صحي يستند إلى الوقاية، ويمكّن الأفراد، ويعتمد الابتكار.
ومع دعم الشراكات المستقبلية بين القطاعين العام والخاص، تقترب المملكة من تحقيق رؤيتها في جعل الصحة اليومية أسلوب حياة.
فهذه الرحلة لا تتعلق فقط بكيفية تقديم الرعاية، بل بكيفية تفكير الناس في صحتهم، وتمكينهم بالأدوات والمعرفة والثقة ليعيشوا حياة أطول وأكثر صحة.