إبراهيم بن يوسف المالك
من أخطر ما يمكن أن ترتكبه أي جهة إدارية هو التراجع عن قرار وظيفي أو إداري بعد أن أوهمت المرشّح أو الموظف بقبول رسمي. قد يُنظر إلى هذا التصرف في بعض المؤسسات على أنه «خطأ بروتوكولي»، لكنه في الحقيقة أبعد من ذلك بكثير. إنه قرار يهز ثقة الفرد بمؤسسته، ويترك أثرًا سلبيًا عميقًا على أسرته والتزاماته المالية والمهنية.
الأخطاء الإدارية لا تضر الأفراد فقط، بل تمتد آثارها لتصيب المؤسسة ذاتها. فحينما تتراجع جهة عن وعودها أو قراراتها المعلنة، فإنها تضع سمعتها على المحك، وتفقد أهم أصولها: ثقة موظفيها وكفاءاتها. الموظف الذي فقد فرصة عمل بسبب قرار إداري متردد سيحمل مرارة التجربة، وقد يفقد ولاءه المؤسسي، وربما يحذّر الآخرين من الالتحاق بالجهة نفسها.
أما على مستوى الدولة، فإن خطأ كهذا إذا وقع في جهاز حكومي، فإنه لا ينعكس على الجهة وحدها، بل يشوّه صورة الجهاز الإداري أمام الرأي العام. في زمن ترتبط فيه المؤسسات برؤية وطنية كبرى مثل رؤية السعودية 2030، يصبح أي تقصير إداري تناقضًا مباشرًا مع قيم الشفافية والكفاءة التي تنادي بها الرؤية. هذا النوع من الأخطاء لا يُقاس فقط بتكلفته المالية أو القانونية، بل بما يتركه من أثر سلبي على صورة الدولة في الداخل والخارج.
ليس هذا فحسب، بل إن مثل هذه الممارسات قد تكلّف الدولة على المدى الطويل خسائر اقتصادية وبشرية يصعب تعويضها. فضعف الثقة في التعيينات يضعف استقطاب الكفاءات، ويرفع معدل دوران الموظفين، ويؤثر في ترتيب الدولة في المؤشرات الدولية المتعلقة بالحوكمة والإدارة الرشيدة.
الحل يكمن في الحوكمة والمساءلة. ينبغي أن تكون هناك آليات واضحة للتعيين، لا مجال فيها للارتجال أو التراجع بعد إصدار القرارات الرسمية. كما يجب أن تكون هناك مساءلة شفافة عند وقوع الخطأ، وأن يُعترف بالضرر ويُعوض المتضررون بما يحفظ العدالة.
إن الأخطاء الإدارية ليست مجرد تفاصيل عابرة، بل هي اختبارات حقيقية لمدى التزام المؤسسات بمبادئها، ولقدرتها على ترجمة الرؤية الوطنية إلى واقع ملموس. وما لم تُدَر هذه الأخطاء بالمساءلة والشفافية، فإنها قد تتحول إلى تشويه عميق لصورة الدولة وأجهزتها.