السموأل محمد إبراهيم
ليست المكتبة في المملكة العربية السعودية جدرانا تصطف عليها الكتب في صمت عابر، بل روح تتنفس التاريخ، وفضاء يعج بنبض الحضارة، وذاكرة تستيقظ في كل رف لتروي حكاية إنسان آمن أن الكلمة قدر الخلود. في أروقتها يتردد صدى القرون، وتغفو في أفيائها رائحة الورق العتيق ممزوجة بعطر الحاضر، كأنها توازن بين زمنين: زمن كتبنا فيه، وزمن نكتب فيه. لقد أدركت السعودية، منذ فجر نهضتها الحديثة، أن الثقافة ليست ظلا للماضي، بل جذع الهوية وسارية الانتماء، وأن الذاكرة الثقافية ليست ترفا، بل بوصلة تحفظ للأمم وجهتها وسط عواصف التحول. ومن هذا الوعي العميق انبثقت العناية بالمكتبات العامة، لا بوصفها مخازن للكتب، بل بوصفها حدائق للعقول، ومواقد للنور، ومرافئ للباحثين يلوذون بها من صخب العالم إلى سكينة المعرفة. هناك تروى العقول كما تروى الأرض العطشى بمطر الحكمة، وهناك يتجلى المعنى الحقيقي للتنمية الثقافية التي جعلت من الحرف شريكا في بناء الإنسان، ومن المكتبة ركنا أصيلا في مشروع الوطن الحضاري. فالمكتبات العامة في المملكة ليست مؤسسات جامدة، بل كائنات من ضوء وذاكرة، تحفظ وجدان الأمة وتبقي جذوتها الفكرية مشتعلة، تشرع نوافذها لكل عاشق للمعرفة، وترسل من رفوفها رسائل لا تنقضي مفادها أن الأمة التي تكرم الكتاب، تكرم ذاتها، وأن الذين يصونون الذاكرة، يصونون المستقبل.
وفي قلب الرعاية الثقافية التي أشرقت بها المملكة، تتلألأ مكتبة الملك عبدالعزيز العامة في الرياض كجوهرة مشعة في تاج الثقافة السعودية، وكصرحٍ يجسد عبقرية الرؤية التي آمن بها الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود – رحمه الله – حين أراد أن يصنع للمعرفة بيتا، وللوطن ذاكرة تبقى ما بقي الزمان. لم تكن المكتبة عنده مشروعا ثقافيا فحسب، بل كانت نداء روح مؤمنة بأن الأمم لا تقاس بمقدار ما تبنيه من حجارة، بل بما تحفظه من فكر وتخلده من نور. منذ لحظة تأسيسها، تجلت المكتبة بوصفها بيت الحكمة الحديث، امتدادا لبهاء الماضي العربي والإسلامي، وجسرا يصل الأصالة بالمعاصرة، يلتقي عنده الوراقون الأوائل بقراء العصر الرقمي في حوار خالد لا يعرف الزوال. في أروقتها تتعانق الأزمنة، وتتصافح القرون، ويصغي الزائر إلى همس التاريخ وهو يعيد سرد نفسه بحروف جديدة. لم تقم لتكون رفوفا صامتة، بل لتكون متحفا للروح، ومحرابا للمعرفة، وسفرا مفتوحا يروي قصة وطن صنع من الثقافة تاج مجده، وجعل من الحرف ميثاق حضارته.
هنا، حيث تتوهج الرؤية التي غرسها الملك عبدالله – طيب الله ثراه – تتجلى رسالة المملكة في أبهى صورها: أن المعرفة ليست ترفا يزين الحاضر، بل قدر تصنع به الأمم مستقبلها. وكأن المكتبة، وهي تفتح أبوابها للعالم، تعلن أن الحبر الذي كتب التاريخ، ما زال هو الحبر نفسه الذي يرسم به الغد، وأن الوطن الذي يحتفي بالماضي، هو ذاته الذي يبني المستقبل من ضوء الذاكرة.
ومن أبرز شواهد هذا العطاء ما تضمه إدارة التراث الثقافي من كنوز لا تقدر بثمن:
ففي جنباتها تستريح أكثر من سبعة آلاف مخطوطة أصلية، تنبض بأسرار القرون، وتمد جسورا بين حاضرنا المجيد وماضينا العريق، فضلا عن مئات المخطوطات المصورة والميكروفيلمية التي حفظت من الضياع بفضل جهود علمية متواصلة منذ تأسيس قسم المخطوطات عام 1988م. وقد خطت المكتبة خطوة سباقة حين رقمنت ملايين الصفحات لتتاح للباحثين عبر الفضاء الرقمي العربي، لتؤكد أن صيانة التراث لا تعني حبسه في خزائن، بل نشره وإتاحته للإنسان حيثما كان.
ولا يقف الجمال عند حدود المخطوط، فهناك الكتب النادرة التي تجاوزت عناوينها ثلاثة وخمسين ألفا، تحكي قصص الطبعات الأولى، وتوثق مسيرة الفكر الإنساني في أزمنته الأولى، إلى جانب الأرشيف المصور الذي يضم أكثر من واحد وعشرين الف صورة فوتوغرافية أصلية، تلتقط نبض الحياة في الجزيرة العربية منذ بدايات التصوير الشمسي، وتوثق تحولات المجتمع والمعمار والطبيعة في مشهد بصري لا يقدر بثمن.
كما تحتضن المكتبة مجموعة فريدة وكبيرة من الخرائط النادرة التي رسمت منذ القرن الخامس عشر الميلادي، لتكشف كيف رآها العالم، وكيف سجلت الحضارات الجغرافية ملامحها الأولى. ويضاف إلى ذلك كنز العملات والمسكوكات الإسلامية التي تحكي في نقوشها حكاية الدولة والهوية والسيادة، وتربط الباحثين بتاريخ اقتصادي وسياسي زاخر بالدلالات. ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل تشمل إدارة التراث الثقافي أيضا مجموعة استثنائية من الطوابع النادرة، واللوحات الفنية الرائعة، والقطع التاريخية النادرة التي تمثل تجسيدا حياً لثقافات متعددة، مشكّلة في مجموعها نوافذ إلى عوالم فكرية وحضارية غنية، تفتح أمام الباحثين آفاقا لا حدود لها في دراسة تطور الإنسانية ومآثرها.
ولئن كانت هذه الكنوز تجسد ذاكرة الأمة في مادتها الملموسة، فإن وراءها أيد أمينة وقلوبا مخلصة تسهر على صونها وتعنى بها بعين الوفاء. وهنا يحق لنا أن نرفع أسمى آيات التقدير والعرفان إلى مدير إدارة التراث الثقافي، الذي حمل هذا الإرث الوطني العظيم بروح العالم وضمير الوصي، فكان حارسا للذاكرة، وسادنا لجمالها الخفي، يزرع في كل مخطوطة نبضة حياة، وفي كل خريطة معنى انتماء، وفي كل وثيقة وعدا بأن ذاكرة الوطن لن تبهت ما دامت بين يديه. لقد جعل من العناية بالتراث فعلَ إيمانٍ، ومن حمايته شرفًا، ومن خدمته رسالةً تُروى بها الأجيال.
كل زاوية في مكتبة الملك عبدالعزيز العامة تحكي عن وطنٍ جعل من الكتاب وطنا ثانيا، ومن الثقافة لغة للخلود. هنا، لا تصان المخطوطات فحسب، بل يصان الإنسان في جوهره، وتستعاد مكانة العقل بوصفه أثمن ما تملكه الأمم. إنها مكتبة لا تكتفي بالحفظ، بل تمارس رسالة النور في أبهى معانيها، تربط الأجيال بجذورها، وتعلي من شأن البحث والدراسة والتوثيق. وما هذه المكتبة إلا مرآة صادقة لعناية المملكة بمكتباتها جميعا، من الرياض إلى جدة، ومن المدينة المنورة إلى الظهران، حيث تسخر الموارد، وترفع الرفوف، وتبنى الصروح من أجل أن تظل المعرفة ميراثا خالدا لا يضيع.
وهكذا تمضي المملكة، بقيادتها الواعية ورؤيتها الثقافية الطموحة، في بناء نهضة معرفية متكاملة، تعيد للمكتبة مكانتها بوصفها منارة حضارة، ومختبر فكر، وجسرا بين الإنسان وماضيه ومستقبله. وفي ظل هذا العهد المشرق، تظل مكتبة الملك عبدالعزيز العامة عنوانا للوفاء للتراث، ورمزا للريادة في حفظ الذاكرة وصناعة الغد.
وختاما، تبقى المكتبات السعودية. وفي طليعتها مكتبة الملك عبدالعزيز العامة ـ شعلة لا تخبو، ومشاعل تنير دروب الحاضر والمستقبل، ونبراسا يشع من قلب المملكة إلى آفاق العالم، تنبض فيها الحروف حياة، وتتعانق المخطوطات مع الشاشات في انسجام بين الأصالة والحداثة. هي رسالة وطن آمن بأن المعرفة هي الخلود الحق، وأن من يغرس في الأرض مكتبة، إنما يغرس للأجيال وطنا لا يزول.